مليون عراقي في دمشق -عبد الرحمن الراشد – الشرق الاوسط

وفق الإحصائيات شبه الرسمية فإن عدد اللاجئين العراقيين في سورية أكثر من مليون إنسان، وهناك من يقدر الرقم بضعف ذلك. وتقول دراسة بحثية ميدانية إن ثمانين في المائة منهم يسكنون في العاصمة دمشق. هذان الرقمان يلخصان جذور المشكلة التي انفجرت بين العراق وسورية في أعقاب انفجارات الأربعاء الدامي الذي راح ضحيته أكثر من ألف شخص بين قتيل وجريح.

والأزمة تسير باتجاه الأسوأ، فالعراقيون بعد أن استطعموا أشهرا قليلة من السلام النسبي لن يرضوا بعودة الإرهاب إلى ميادينهم، ولن يسكت المسؤولون، مثل رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي يخوض معركة حياة أو موت سياسية من أجل إعادة انتخابه في يناير المقبل، ويملك ورقة واحدة فقط للفوز؛ بأن ينهي الإرهاب ويؤمّن الاستقرار لمواطنيه. ليس بإمكانه أن يؤمن لهم كهرباء أكثر، أو ماء أوفر، ولن يستطيع تخفيض تكاليف المعيشة وبالتالي فإن كل انفجار وقتلى يعتبر موجها ضده أيضا.




ومع أن المالكي محق في غضبه وشكوكه، ومن المؤكد أن الشعب العراقي سيسانده، إلا أن عليه أن يفكر قبل أن يستعجل إطلاق التهديدات والمطالبة بمحكمة دولية تستهدف السوريين، لأنه طلب إن قبلته الأمم المتحدة لا يمكن التراجع عنه غدا. هناك حلان، واحد مؤقت وآخر شامل. الأول أن يمارس ضغوطا كبيرة على جيرانه، مثل سورية وإيران، لوقف المتسللين ومخيمات التدريب ويعزز حدوده أمنيا بكل ما يملك عسكريا.

الثاني، وهو الأهم، أن على الحكومة العراقية أن تعترف أنها أيضا سبب في المشكلة وليست ضحية فقط. ونحن نعلم أن مليون عراقي كلاجئ في سورية، أو أي بلد آخر، سيجعلهم عرضة للاستخدام السياسي والأمني، وستتكرر مأساة الفلسطينيين الذين عاشوا في المخيمات مثل كرة يتقاذفها العرب والإيرانيون كل يستخدمهم لأغراضه ضد الآخر.

مليون عراقي في دمشق ليس بالرقم الهين الذي يمكن أن تتحمل أعباءه أي حكومة في العالم. وسر اندفاع العراقيين نحو سورية تحديدا لأنها البلد الوحيد الذي لا يطلب منهم تأشيرات دخول، ولا يمانع دخولهم كجماعات كبيرة، ولا يفرض عليهم السكن في مخيمات خارج المدن، ويغض النظر عن ممارساتهم نشاطات تجارية في مناطق إقامتهم، ثم إن المعيشة للاجئ في سورية رخيصة الثمن مقارنة بغيرها من الدول.

وكثير من هؤلاء غاضبون فروا من مدنهم وأحيائهم كما هجر الفلسطينيون، وسيسيرون في نفس طريق «المقاومة»، اليوم أو غدا. واجب الحكومة العراقية أن تبادر فورا بإعادة اللاجئين إلى بيوتهم، ومن لا بيوت لهم تعيدهم إلى أماكن مؤقتة أو تمنحهم معونات لهذا الغرض. ولنتذكر أن الحكومة العراقية أغنى كثيرا من الحكومة السورية، فالعراق ميزانيته 42 مليار دولار، أما ميزانية سورية فهي 11 مليار دولار فقط. فلماذا يدفع السوريون ثمن إعالة اللاجئين من جيوبهم؟ تستطيع حكومة المالكي بيسر تأمين تمويل إعادتهم وإعالتهم المؤقتة، وستجد تقديرا من الجميع، وتعاونا كبيرا من المنظمات الدولية والعديد من الدول، من أجل إنهاء هذه المأساة الإنسانية، ومساعدة العراق على الخروج من محنته