سولانا… وطبول التوطين ! -راجح الخوري – النهار

عودة الى تصريحات خافيير سولانا في بيروت قبل يومين.
الرجل لا يملك عقلا لبنانيا، لكنه قال كلاما دقيقا ومهما بعد جولته على المسؤولين. وهو كلام نكاد نفتقده عند كثيرين من السياسيين اللبنانيين الذين يدّعون الريادة في التفكير والمعرفة والوطنية والقومية ايضا.
كلام سولانا ضاع وسط دوي طاحونة التصريحات اليومية التي تتناول ازمة تشكيل الحكومة، وتعيد التذكير بالعقد المفتعلة التي تواجه الرئيس المكلف سعد الحريري.
ليس المقصود هنا دعوة سولانا الى تشكيل الحكومة في اسرع وقت ممكن وقبل انعقاد الجمعية العمومية للامم المتحدة، وهو ما كان الرئيس ميشال سليمان قد دعا اليه، بل المقصود تحديدا تلميحات الممثل الاعلى للسياسة الخارجية والامن في الاتحاد الاوروبي والمتعلقة بتشديده على اهمية وجود حكومة في لبنان الآن عشية استحقاقات متسارعة تتمثل بالتحريك الاميركي لاطلاق مبادرة الرئيس باراك اوباما للتسوية في المنطقة، واستطرادا بمستقبل الوضع الفلسطيني، وهو ما يضع لبنان امام خطر التوطين الذي ستطرحه اسرائيل بنداً في سياق مفاوضات التسوية.

❒❒❒
في خلفية كل ما قاله سولانا، منتقيا كلماته بدقة وعناية، ما يثير الريبة ويدعو الى التيقظ ويفرض بالتالي التفاهم في اسرع وقت على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية. فهو يقول إن الاسراع في التشكيل هو "لمصلحة الجميع"، والمقصود هنا طبعا جميع اللبنانيين، اكثرية ومعارضة، وان هذه الحكومة توفر منطلقا من اجل تعاون افضل بين لبنان والعالم، وخصوصا في القضايا والمشاريع التي تتصل بترتيبات المنطقة.
هذا الكلام المرمّز يصبح واضحا اكثر عندما يشدد سولانا على "ضرورة دفع عملية السلام في المنطقة"، لكنه (وهنا المغزى الضمني) يستطرد بالقول: "إن ما هو اهم، تشكيل الحكومة لمواجهة التحديات"!
اذاً سولانا يرى ان وجود حكومة في بيروت هو اهم للبنان من دفع عملية السلام لأن مواجهة التحديات تفرض ذلك.




❒❒❒
أي تحديات يعني؟
طبعا انه يعني التحديات التي سيواجهها لبنان سواء استؤنفت المفاوضات على المسارات وفقا لرؤية اوباما، او سقطت الحلول وذهب الوضع الى التصعيد. ومن المعروف ان اسرائيل تواصل تهديداتها للبنان وتستمر في الاستعدادات والتدريبات لشن عدوان جديد عليه.
لكن حدود التحديات لا تقف هنا. فالاهم والاخطر ان اطلاق المبادرة الاميركية سيشعل النار لتسخين مسألة التوطين. وليس سراً ان موضوع التوطين كان في صلب محادثات سولانا مع المسؤولين اللبنانيين، وقد حاولوا استجلاء ما يعرفه عن هذا الموضوع، وخصوصا في ظل تقارير متتابعة تتحدث عن ان دولا كبرى تتبنى وجهة نظر العدو الاسرائيلي حيال هذا الموضوع الخطير، ولكن سولانا لم يقدم اجوبة شافية ومريحة، بل عمّق الهواجس والمخاوف عندما اوضح: "ان ليس لدول الاتحاد الاوروبي بعد طريقة لمعالجة هذه المسألة"!
ماذا يمكن ان يستنتج المرء من هذه الكلمات القليلة؟
يمكن الاستنتاج ان هناك مسألة اسمها التوطين، وان دول الاتحاد الاوروبي لا تملك موقفا حيالها. واذا ربطنا هذا الكلام بتكرار سولانا دعوته واصراره على تشكيل الحكومة "لمواجهة التحديات"، يصبح في الامكان القول "إن اللبيب من الاشارة يفهم"!
ولكن التدقيق في وتيرة الروزنامة السياسية اليومية في لبنان يدفع الى القول إن البعض في هذا البلد السعيد لا يفهم لا من الاشارة ولا من غيرها، لذلك فإن المأزق الحكومي مستمر امام الجدار المتصاعد للمطالب والشروط التعجيزية المعروفة.

❒❒❒
ولعل المثير هنا ان الذين يقرعون طبول الخوف من التوطين لا يوفرون الظروف الملائمة لقيام حكومة وحدة وطنية، تتعاون وتتكاتف لمواجهة هذه المؤامرة الصهيونية بموقف جامع وصلب، بل على العكس يطرحون هذا الموضوع من منطلق عقلية البازار السياسي، وبهدف تخوين الخصوم واتهامهم بأنهم يمكن ألا يقاوموا التوطين!!
طبعا، هذه ليست سياسة، ولا هي تعبير عن حس وطني وقومي. انها عملية استغلال فاحش لخطر التوطين في النزاعات الداخلية التي تعيق التفاهم الوطني وتمنع قيام حكومة الوحدة ولم الشمل والتعاون، وكل هذا يضعف بالتالي الموقف الاجماعي في لبنان ضد التوطين.
سولانا قال كلامه ومشى، لكن اوركسترا التعمية والتعطيل تمنع الكثيرين من التدقيق ملياً في مدى الخطورة التي يرتبها تعطيل التشكيل على لبنان وخصوصا في مسألة التوطين التي يقرعون طبولها!