“لبنان” 1870… مثل لبنان اليوم ؟ – سركيس نعوم – النهار

يوم الجمعة الماضي تلقيت رسالة الكترونية من صديقة اميركية وافرة النشاط والمعلومات، وعالية الهمة وواسعة الاطلاع على معطيات ومعلومات كثيرة لها علاقة بما يجري في لبنان والعالم. وقد رأيت ان من واجبي بل من حق مواطنيّ عليّ ان اطلعهم عليها، ربما لأن من شأنها اصابتهم بصدمة توقظهم من احلامهم والاوهام وتحضهم على المحافظة على الوطن من خلال بناء دولة قادرة على تجسيد طموحاتهم، وعلى تلبية مطالبهم ودفاعهم عنها وتجاوزهم كل الانتماءات المعطلة لها والمعوقة لقيامها. هذه الصديقة اسمها ساندي تشارلز. وفي ما يأتي نص رسالتها الالكترونية:
"وليم م. طومسون وصف فقط ما رآه وعايشه عام 1870، (في ما كان يسمى لبنان) وذلك بغية اعلام الجميع الى اي مدى اللبنانيون اغبياء والابلاغ اليهم كيف ان الامور (الاوضاع) لن تتغير ابداً في لبنان. هذا المقطع الذي سنقرأه من كتاب طومسون قد يبدو انه ينتمي الى عالم اليوم، لكنه في اي حال كُتب وصفاً لحقائق حصلت عام 1870، وليس لتوقعات او تنبؤات، وراقبها بل عايشها في حينه مستر طومسون. الكتاب اسمه "الارض والكتاب". اما اسم المؤلف فهو وليم م. طومسون. ومن شاء التأكد او معرفة المزيد يمكنه الاطلاع على الكتاب بواسطة الانترنت وعلى المقطع في الصفحة 248 منه".

ماذا جاء في المقطع المذكور من كتاب طومسون؟
جاء الآتي: "في لبنان نحو اربعمئة الف نسمة يتجمعون في (او يسكنون) اكثر من ستمئة مدينة وضيعة وقرية صغيرة. الديانات المختلفة والمذاهب المختلفة تعيش معاً وتمارس معاً معتقداتها المتناقضة. لكن الشعب او بالأحرى الناس لا يندمجون او لا يلتحمون في مجموعة متجانسة. ولا يتطلع بعضهم الى بعض بمشاعر الاخوة. فالسنّة يحرّمون (من حرم) الشيعة (Excommunicate). والفريقان يكرهان الدروز. والثلاثة يبغضون النصيرية. ليس عند الموارنة حب لأحد، وهم في المقابل غير محبوبين من الجميع. الروم الارثوذكس لا يطيقون او لا يتحملون الروم الكاثوليك. والجميع يحتقرون او يزدرون اليهود.
الملاحظات نفسها تنطبق ايضاً على التقسيمات الادنى في هذه البلاد. ليس هناك رابط وحدوي فيها او بين جماعاتها. المجتمع لا يقوم على تاريخ من التطور والنمو يمكن فتحه والعمل من خلاله من اجل تحقيق الافادة العامة للجميع. هناك فقط عدد لا ينتهي من الاجزاء المشلَّعة والاخطاء والخنادق والسياجات التي تغطّي الناس بتشوّش وارباك ميؤوس منهما (او لا امل يرجى منهما) وهؤلاء يكذبون بعضهم على بعض عند كل مفترق اختلافي او تناقضي. وحده الروح الخالق الكلي القدرة الذي اشرف على ولادة هذه الفوضى البدائية يستطيع ان يُحِلّ النظام من خلال تشوّش وارتباك كهذين وان يقلص عناصر التناحر والمواجهة ويحوّلها سلاحاً وانسجاماً وتناغما.
لا بلد آخر في العالم، على ما افترض، عنده او فيه هذا التنوع في الاعراق المتعادية او المتخاصمة. وهنا يكمن العائق او العقبة الاكبر لأي تحسين عام ودائم ولأي تقدم في احوال المنتمين اليها (الاعراق). انهم لن يستطيعوا ابداً ان يكوّنوا أو ان يشكلوا شعباً واحداً. ولن يستطيعوا ابداً ان يجتمعوا او ان يتوحّدوا من اجل اي هدف مهم، دينياً كان ام سياسياً. ولذلك فانهم سيبقون ضعفاء وعاجزين عن حكم انفسهم بانفسهم ومعرضين للغزوات الاجنبية والقمع من الاجانب. هكذا كانت هذه البلاد، وهكذا كان شعبها. وهكذا هما الآن ولا بد ان يبقى هذا الشعب مقسّماً وموزعاً حصصاً ومُداساً مدة طويلة".




طبعاً قد يقول البعض ان تعمّد نشر هذا المقطع الصغير من كتاب كبير يرمي الى زرع التشاؤم او اليأس والاحباط، والى تبرير الواقعية الحرة والصريحة في آن واحد التي تقلق القراء رغم صحتها. والحقيقة ان في قول كهذا، او في تفكير كهذا، اذا تبادر الى ذهن اي كان، الكثير من الظلم والتجني. ذلك ان الهدف من النشر هو التوعية وليس "التيئيس"، وهو دفع اللبنانيين الى عدم تجاهل واقعهم المريض والى تشخيص مرضهم الحقيقي لأن ذلك وحده يشكّل الطريق للحصول على الدواء الشافي ومن دون ذلك سيبقى اللبنانيون يتكاذبون ويتحابون علناً وشكلاً ويتكارهون فعلاً. وعندما يبلغ السيل الزبى عندهم يتقاتلون فيدمّرون البلد والوطن والدولة ويتوزعون على كل طامع في ارض او في دور، او على كل صاحب ارب.
في النهاية لا بد من الاعتراف بان واقع الـ1870 وما قبله في "لبنان ذلك الزمان" الذي وصفه طومسون يثير الكثير من الحزن والمرارة. ولكن لا بد من الاعتراف ايضاً بأن نشره اليوم يثير المشاعر نفسها ولكن بحدة اكبر لأنه يضع اللبنانيين بينهم وبين انفسهم وبينهم وبين ربهم، وكلهم مؤمنون، امام الحقيقة المرة. فإما يعترفون بها ويعملون للتخلص منها، وإما يقولون انها كلام استعماري يصف واقعاً غير موجود فيتجاهلونها ويستمر لبنان في الانجرار نحو الهاوية. مع الاشارة هنا الى ان الاستعمار القديم والحديث على تنوع اشكاله وجنسياته واهدافه وتناقضها غذى ولا يزال يغذي كل "الآفات" التي تفتك بلبنان وابنائه لان مصلحته تقتضي ذلك. لكنه لم يخترعها ابداً، فهي موجودة. وهو عمّمها بطلب من اصحابها ولغايات ومآرب معروفة جداً.

(•) ملاحظة: اذا اكتشف احد خطأ او تزويراً او دساً في الرسالة الالكترونية التي استندنا اليها، فليرسله الينا وسيسعدنا التصحيح اذا كان في محله.