معدن الرجال – احمد عياش – النهار

طرح افكار الحلول في زمن انسداد الآفاق، يكشف عن معدن الرجال. وها هو الرئيس المكلف سعد الحريري في ايام قليلة يبرهن عن معدنه الذي يعيد الى الاذهان سيرة والده الشهيد رفيق الحريري الذي لم توهن عزيمته ازمة وبقي رائداً في البحث عن حلول عندما كان المعطلون بكل اوزانهم الداخلية والاقليمية يلهثون وراء خلق العقبات.
لم يكن حدثاً عابراً ما اثارته انتقادات العلامة محمد حسين فضل الله في حق البطريرك مار نصرالله بطرس صفير. كما ليس بالامر العابر ان تدور البلاد في حلقة مفرغة من دون بلوغ شاطىء تشكيل الحكومة الجديدة منذ اكثر من شهرين. لكن صوت الرئيس المكلف جعل من كلماته في الافطارات الرمضانية حدثاً يوماً بعد يوم. فأعلن في عز عاصفة الردود والردود المضادة حول موضوع الاكثرية العددية ان قدر اللبنانيين هو في المناصفة الدائمة. كما فاجأ البلاد يوم الجمعة باقتراح ملاقاة العماد ميشال عون في مجلس النواب او في قصر بعبدا بما يتجاوز شكليات المكان من اجل الخوض في جوهر ازمة التأليف.
وبرهنت الاعوام الاربعة الماضية ان المركب السهل هو التشنج. اما المركب الخشن فهو الروية. وكثيرون صعدوا الى المركب الاول لكنهم وجدوا انفسهم في بحر هائج لا يتيح الوصول الى بر الامان. وقليلون اختاروا المركب الثاني فبدوا في عيون من راقبهم انهم انزلقوا الى التنازل عن حقوق بديهية، لكن الايام اثبتت انهم صعدوا الى الحفاظ على حقوق الوطن.
ليس سهلاً على الاطلاق ان يكون المرء قائداً في حركة شعبية قل نظيرها في تاريخ لبنان، فيختار السلم الاهلي في مواجهة الحرب الاهلية، ويختار العيش المشترك في مواجهة الغلبة الفئوية، ويختار نهج التنوع الطائفي في مواجهة التناحر الطائفي.
هؤلاء هم قادة 14 آذار وها هي حركة ثورة الارز. وعندما تطل صورة 71 نائباً جنباً الى جنب وفي قلبها الرئيس الحريري ستكون الرسالة مجدداً في الداخل والخارج ان عود الوطن اشتد باشتداد اكثريته. وهي الرسالة التي تشبه الرسائل التي بعث بها اللبنانيون منذ 14 شباط 2005 حتى اليوم، وفحواها ابراز الكثرة دفاعاً عن سلامة لبنان الذي هو لجميع ابنائه وان تفرقت بهم السبل في تحولات مصيرية تهب على الوطن.
بالتأكيد سيبقى في لبنان وخارجه من يتميز غيظاً كلما ترددت على مسامعه كلمة "اكثرية" معطوفة على عبارة "قوى 14 آذار". ولا ريب في ان كل دهاء، ميكيافيللي سيبدو متواضعاً امام من يتربص يومياً بهذه الاكثرية التي قررها اللبنانيون على مدى الاعوام الاربعة الماضية. لكن كل المحاولات التي تريد اعادة عقارب الساعة الى وراء الاعوام الاربعة كانت تنتهي الى عكس مبتغاها. واللائحة تطول بالشواهد التي تبرهن على ان اللبنانيين اختاروا رد التحدي فتخطوا حاجز الوصاية السورية واجتازوا حاجز الانقسام الوطني ونجوا من شرك الفتنة المذهبية.
سيكون نبأ سار ان ينفتح خط الاتصال الهاتفي بين العلامة فضل الله والبطريرك صفير. كما سيكون نبأ سار ان يطل الحريري وعون امام عدسات المصورين ليعلنا الاتفاق. هذا النوع من الانباء يعبّر قولاً وفعلاً عن لبنان. انه سر لبنان الكبير الذي لن تتوقف محاولات تشتيته الى اسرار صغيرة. وبلا ريب ستنتصر الحكمة على الجنون الذي تفادى لبنان اوبئته منذ عام 2005 وحتى اليوم.