كلام العلامة فضل الله يفتح الباب للإتفاق على الجواب :أي لبنان وأي نظام وأي دستور نريد له؟ – اميل خوري – النهار

ترى أوساط سياسية أنه لا يجوز المرور مرور الكرام على الكلام الذي صدر عن العلامة السيد محمد حسين فضل الله في مأدبة إفطار، لانه يعبّر عن حقيقة مشاعر فئة لبنانية ولا يكفي قول رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد ان هذا الكلام يعبّر عن الرأي الشخصي للسيد فضل الله، فلو ان الامر كان كذلك لما كانت وسائل اعلام "حزب الله" نشرته رغم طلب السيد فضل الله حذف العبارة التي يتناول فيها البطريرك الكاردينال صفير وصيغة النظام في لبنان.
ولأن من يخفي علّته يموت فيها ينبغي ان يتصارح الزعماء اللبنانيون ويتفقوا للإجابة على سؤال: اي لبنان يريدون واي نظام يريدون، واي دستور غير دستور الطائف يريدون ويكون الأفضل لتحقيق الانصهار الوطني وترسيخ أسس العيش المشترك.


لقد أعلن العلامة السيد محمد حسين فضل الله بوضوح وصراحة أنه يؤيد قيام حكم على أساس الأكثرية الشعبية وليس على أساس الأكثرية النيابية اي انه يريد العددية وليس التعددية. فرّد عليه رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري بصورة غير مباشرة في مأدبة افطار من قريطم قائلاً: "ان العيش المشترك بين المسيحيين والمسلمين هو بنظرنا معنى وطننا لبنان الرسالة الذي نريده ان يبقى مكاناً للقاء والحوار عنوانه المناصفة الدائمة والثابتة بين المسيحيين والمسلمين مهما كانت الاعداد ومهما كانت الديموغرافية".
ورغم ان دستور الطائف ينص على ذلك والنظام الديموقراطي يقول بأكثرية تحكم واقلية تعارض، فإن فئة لبنانية مسيحية – اسلامية تتصرف خلاف ذلك. فلا هي تعترف بهذا النظام بل تقول بنظام آخر هو النظام الديموقراطي التوافقي الذي يفرض التوافق في انتخاب رئيس الجمهورية وفي تشكيل الحكومة وفي اقرار المشاريع والمواضيع ولو بصورة استنسابية من دون تحديدها كما حددها دستور الطائف بـ 14 موضوعاً اساسياً تحتاج الموافقة عليها الى ثلثي عدد اعضاء الحكومة اذا تعذّر التوافق عليها.
وهذه الفئة لا تعترف بنتائج الانتخابات النيابية التي تأتي بأكثرية وأقلية انما تعترف بالأكثرية الشعبية التي يأتي بها استفتاء. وهي لذلك ترفض تشكيل حكومة من الأكثرية النيابية كما يقضي به النظام الجمهوري البرلماني الديموقراطي، بل تطالب بتشكيل حكومة من الاكثرية والاقلية باسم "الوحدة الوطنية" بحيث تكون حكومة لا يقوم بين اعضائها انسجام وتجانس ولا رؤية واحدة لمواضيع سياسية وامنية ومالية واقتصادية وانمائية، فتكون نتيجة جمع الضدين شل عمل مؤسسات الدولة وإلحاق الضرر بمصالح الناس.
وقد استطاعت هذه الفئة خلال السنوات الثلاث المنصرمة ان تفرض رأيها المخالف للدستور وللنظام الديموقراطي بتمسكها بالسياسة التوافقية في الانتخابات الرئاسية فحالت دون وصول رئيس للجمهورية من قوى 14 آذار ودون انتخاب رئيس بنصف زائد واحد لانها قادرة على تعطيل نصاب الثلثين في كل جلسة مخصصة للانتخاب، وكذلك تعطيل تشكيل اي حكومة ان لم تكن حكومة تتمثل فيها الاكثرية والاقلية كي لا يصير توافق على المواضيع التي ترى الاقلية وجوب التوافق عليها وعدم طرحها على التصويت كما نص الدستور والتهديد بعدم المشاركة في اي حكومة ان لم تكن كذلك، وهذا يناقض ميثاق العيش المشترك ويجعل الحكومة غير شرعية وغير ميثاقية. واذا شاءت الاكثرية ان تتجاهل موقف الاقلية فتنتخب رئيساً للجمهورية بنصف زائد واحد او تشكيل حكومة منها عملاً بالنظام الديموقراطي وبما نصّ عليه الدستور، فإن هذه الفئة وان اقلية فهي قوية بسلاحها اذ تهدد بالنزول الى الشارع لتحدث فوضى امنية قد تتحوّل فتنة.





وها ان الاقلية المعارضة تمارس مع الاكثرية التي انبثقت من انتخابات حرة نزيهة الدور نفسه الذي مارسته على مدى السنوات الثلاث الاخيرة فهي ترفض المشاركة في الحكومة اذا لم تكن حكومة وحدة وطنية، ولمشاركتها فيها شروط تعجيزية تولى العماد ميشال عون تحديدها وجعل نفسه راس حربة للأقلية المعارضة وصوتها المدوّي لان المصلحة تقضي بأن يبقى "حزب الله" بعيداً عن اي مواجهة داخلية، وان يعتمد سياسة الهدوء والتهدئة والحوار ويترك لسواه سياسة التحدي والاستفزاز والصراخ…
ان تشكيل حكومة وحدة وطنية يواجه أزمة قد يستعصي حلها لان تشكيلها لا يخضع للدستور ولا للنظام الديموقراطي وكأنهما باتا معلقين في انتظار الاتفاق على دستور جديد ونظام افضل، لمح العلامة السيد محمد حسين فضل الله الى صورتهما بالدعوة الى اعتماد الاكثرية الشعبية وليس الاكثرية النيابية. اي اعتماد الديموقراطية العددية مناقضاً بموقفه هذا ما نص عليه دستور الطائف وهو المناصفة بين المسلمين والمسيحيين مهما تغيّر الوضع الديموغرافي.


وبما ان فئة لبنانية تصر على اعتماد سياسة التوافق في انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة، واقرار المواضيع المهمة، وهي سياسة "بدعة" لا توافق عليها فئة اخرى، واذا وافقت عليها فبالاكراه وخوفاً من الفتنة اذا ما صار اللجوء الى الشارع والى السلاح فإن ذلك يدل على انه صار على الاكثرية ان تخضع لرأي الاقلية واما تبقى الأزمة مفتوحة على كل الاحتمالات.
وتختم الاوساط نفسها بالقول ان لبنان ما دام يعيش وضعاً شاذاً لا احترام فيه للدستور ولا للنظام وهو يعيش في ما يشبه شريعة الغاب، فسوف يظل يتخبط بالأزمات ولا خروج له منها الا بتدخل خارجي قد يدفع ثمن هذا التدخل من استقلاله وسيادته وحرية قراره، او بالاتفاق بأسرع وقت ممكن على اي لبنان يريد اللبنانيون على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم واي نظام يريدون واي دستور، ويمكن القول ان العلامة السيد محمد حسين فضل الله قد فتح الباب وبات على اللبنانيين ان يتفقوا على الجواب…