عار المكان وعار الزائر ! – راجح الخوري – النهار

بعد 67 عاماً على جرائم النازية بدا التاريخ أول من أمس كأنه يقف رأساً على عقب. لم يكن أحد ليصدق ان الضحية تستطيع ان تتفوق على الجلاد في ارتكاب الفظاعة الوحشية، رغم ان يهودياً يدعى سيغموند فرويد سبق ان أطلق النظرية المعروفة في علم النفس وهي: "إن الضحية تتوق دائماً الى لعب دور الجلاد".
كانت الرمزية في غاية الفظاظة عندما دخل بنيامين نتنياهو الى قصر "وانزا" في ألمانيا، ذلك المكان المقيت الذي اجتمع فيه قادة الرايخ الثالث الذين درسوا موضوع الرد على تلاعب اليهود بالوضع الاقتصادي الالماني برفع توصية الى ادولف هتلر تنصح بجمع اليهود في المعتقلات، حيث كان معسكر أوشفيتز منطلقاً للابادة الجماعية التي تعرضوا لها وعُرفت بـ"المحرقة" أو الهولوكوست.
كان ذلك تحديداً عام 1942. في 27 آب من سنة 2009 دلف نتنياهو الى قلعة "وانزا" ليس كضحية ورثت فظاعة المحرقة، بل كقائد بارز في "الرايخ الاسرائيلي" الذي ينفذ محرقة مفتوحة ومقسطة ضد الشعب الفلسطيني وبعض الشعوب العربية، بدأت عام 1948 وهي مستمرة حتى الآن، وكان آخر فصول العار فيها ما تعرضت له غزة من الحرق بالفوسفور الابيض وما تعرض له لبنان صيف 2006 من تدمير بالحديد والنار.

❑ ❑ ❑
لم يكن في وسع المخيّلة ولا في استطاعة الواقع طمس الرمزية العكسية في وقوف نتنياهو وسط المكان الذي شهد ولادة قرار الإبادة الجماعية ضد اليهود، لأن المكان يشبه الزائر تماماً. فمن الجدران يقطر العار والدم، ومن أنامل نتنياهو وزمرة المتطرفين في إسرائيل يقطر العار والدم.
وإذا كان نتنياهو قد تسلّم 29 خريطة لمعتقل اوشفيتز اكتشفت العام الماضي، وفيها رسوم هندسية لغرف المعتقل وبينها غرف الغاز، فإن ما تناقلته وسائل الاعلام العالمية عن دمار غزة وقبل ذلك عن دمار الضاحية الجنوبية ومرافق كثيرة في لبنان لا يقل وحشية عما فعله النازيون باليهود قبل 67 عاماً.




❑ ❑ ❑
عندما يقول نتنياهو من داخل قلعة العنصرية النازية المتوحشة: "لا يمكننا السماح لمن يسعون للإبادة الجماعية ويهددون مصير الدولة اليهودية بفعل ذلك، وعلى زعماء العالم ان يفهموا ان من يهدد الشعب اليهودي يهدد العالم بأسره"، فإن عليه ان يتذكر، كما على زعماء العالم ان يتنبهوا الى أن ما فعلته إسرائيل وتفعله بالفلسطينيين من إبادة مُقسّطة إنما يهدد الشرق الأوسط والعالم أيضاً.
وإذا كان المعيار الأخلاقي والإنساني يدعو دائماً الى إدانة النازية والرايخ الثالث، لأن الهولوكوست وصمة سوداء يندى لها الجبين البشري، فإن المعيار عينه يدعو في كل لحظة الى إدانة الصهيونية والنازيين الجدد في إسرائيل لأن المحرقة المفتوحة التي يمضون في إشعالها ضد الفلسطينيين والعرب هي وصمة سوداء يندى لها الجبين البشري مرتين، خصوصاً لأنها تأتي على أيدي أحفاد الضحايا وقد تحول قسم منهم قتلة بامتياز.

❑ ❑ ❑
هذا في الاطار الرمزي لزيارة نتنياهو الى ألمانيا. أما في الاطار السياسي، فمن الواضح تماماً من خلال تصريحات المستشارة أنغيلا ميركل، أنها كانت حازمة في الدعوة الى وقف الاستيطان كمقدمة ملحة ولا بد منها لإعادة تدشين العملية السلمية. ومثل هذا الكلام كان نتنياهو قد سمعه في لندن مرتين، الأولى مع غوردون براون والثانية مع جورج ميتشل.
ولكن التعنت الإسرائيلي مستمر، ومحاولات تل أبيب تمييع المطالبات الأميركية والأوروبية بوقف الاستيطان تحرز تقدماً، حيث تردد ان نتنياهو قدّم لميتشل عرضاً جديداً مفخخاً يتضمن اقتراحاً بوقف الاستيطان في الضفة الغربية لمدة تسعة أشهر ولا يشمل القدس الشرقية، بما يعني ضمناً توسيع الهوة أكثر فأكثر تمهيداً لدفن مبادرة باراك أوباما بشأن الدولتين.