تفاهمات سرية جديدة بين دمشق وطهران حول لبنان – عبد الكريم أبو النصر – النهار

"أكدت تقارير ديبلوماسية تلقتها دولة اوروبية بارزة من سفاراتها في دمشق وطهران وبيروت وعواصم اخرى، ان نظام الرئيس بشار الاسد ليس لديه اي تأثير او نفوذ على القيادة الايرانية وعلى قراراتها ومواقفها وتوجهاتها حين يتعلق الامر بالمصالح الحيوية والاستراتيجية الايرانية العليا، خلافا للانطباع السائد. وذكرت هذه التقارير استنادا الى مسؤولين معنيين بملف العلاقات بين دمشق وطهران، ان ثمة تفاهمات واضحة بين القيادتين السورية والايرانية بشأن مجموعة من القضايا والملفات كلبنان وفلسطين وطريقة التعامل مع اسرائيل ومع خصوم المحور السوري – الايراني. لكن هذه التفاهمات التي تشكل اساس التحالف بين البلدين، لم تمنح نظام الاسد القدرة على القيام بدور مؤثر على الجمهورية الاسلامية يدفعها الى تغيير سياساتها وتوجهاتها المتعلقة بمجموعة من القضايا الكبرى التي تهتم بها الولايات المتحدة والدول الغربية عموما، وكذلك الدول العربية المعتدلة. واوضحت هذه التقارير ان القيادة الايرانية ترفض اي وساطة سورية او تدخل سوري في الملف النووي الايراني وفي عملية التفاوض المتعلقة به، وترفض كذلك الاعتماد على نظام الاسد في تعاملها مع اميركا وفرنسا والدول الغربية والعربية البارزة والمؤثرة، وترى انها ليست في حاجة الى اي وساطة سورية بينها وبين هذه الدول، كما ان ايران تتمسك بدور مستقل لها في العراق على اساس ان مصالحها وحساباتها مختلفة الى حد كبير عن مصالح نظام الاسد وحساباته في هذا البلد".
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية في باريس وثيقة الاطلاع على هذه القضية، واوضحت ان العلاقات السورية – الايرانية اكثر تعقيدا مما يتصوره المراقبون، وان نظام الاسد يدرك حدود دوره في تعامله مع الجمهورية الاسلامية لكنه يستخدم "الورقة الايرانية" وتحديدا روابطه الوثيقة بالقيادة الايرانية لمحاولة تحسين علاقاته مع الغرب من خلال الايحاء انه قادر على القيام بدور الوسيط بين الجمهورية الاسلامية واميركا والدول الغربية وبعض الدول العربية المعتدلة، وانه قادر كذلك على التأثير على القرارات والتوجهات الايرانية.
وفي هذا المجال كشف لنا ديبلوماسي اوروبي معني مباشرة بهذا الملف معلومات مهمة عن وساطة قام بها الرئيس الاسد بين فرنسا وايران بشأن البرنامج النووي الايراني. واكد هذا الديبلوماسي "ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي طلب جديا صيف 2008 مرتين من الاسد التدخل شخصيا باسم فرنسا والدول الغربية لدى القيادة الايرانية لاقناعها بان الوقت يعمل ضد مصالحها، وان احتمالات الحرب ضد ايران ستكون جدية وكبيرة اذا ما استمرت في تحدي المجتمع الدولي وقرارات مجلس الامن وواصلت جهودها ونشاطاتها لانتاج السلاح النووي واذا لم توقف عمليات تخصيب الاورانيوم في اراضيها. وتمنى ساركوزي على الاسد العمل على اقناع القيادة الايرانية بان من الافضل لها وللمنطقة ان توافق على الدخول في عملية تفاوض جدية مع الدول الست الكبرى، اي اميركا وفرنسا وبريطانيا وروسيا والصين والمانيا، تقوم على اساس وقف كل الانشطة لانتاج السلاح النووي في مقابل حصول الايرانيين على رزمة حوافز تكرس حقهم في امتلاك برنامج نووي سلمي مدعوم دوليا، وتؤدي الى تحسين العلاقات الايرانية – الاميركية – الاوروبية – الدولية في مجالات عدة.
ورحب الاسد بهذا الطلب واكد لساركوزي انه سيتدخل شخصيا لدى المسؤولين الايرانيين، وانه سيستغل علاقاته الجيدة معهم للمساعدة على تسوية المشكلة النووية الخطرة العالقة بين الجمهورية الاسلامية والدول الغربية والمجتمع الدولي عموما".
واضاف: "ان ساركوزي علق آمالا حقيقية على وساطة الاسد هذه وتوقع ان تؤدي الى نتائج ايجابية. لكن ما حدث هو ان القيادة السورية نقلت الى القيادة الايرانية رسالة الرئيس الفرنسي هذه، فاكتفى الايرانيون باخذ العلم بها ورفضوا التعليق على مضمونها او اعطاء السوريين اي رد عليها. وبعد ايام من مسعى الاسد هذا اتصل المسؤولون الايرانيون بالمسؤولين الفرنسيين وبعدد من المسؤولين الاوروبيين واكدوا لهم ان ايران ليست في حاجة الى اي وساطة سورية او غير سورية بينها وبين الدول الكبرى بشأن ملفها النووي، وان كل المسائل المرتبطة بالمشكلة النووية يجب ان يتم التباحث بشأنها مباشرة بين المسؤولين الايرانيين والجهات الدولية المعنية بالامر ومن دون مشاركة اي طرف ثالث كسوريا في هذه المحادثات".

الاسد يدعم ايران النووية
وقال هذا الديبلوماسي الاوروبي "ان الموقف الايراني الواضح من وساطة الاسد يكشف حدود دور سوريا في تعاملها مع ايران، وخصوصا حين يتعلق الامر بالمصالح الحيوية والاستراتيجية الايرانية. والذين يراهنون على الاسد للقيام بدور الوسيط بين ايران والدول الغربية بشأن الملف النووي او قضايا مهمة اخرى يخطئون تماما. ذلك ان النظام السوري ليس وسيطا محايدا في المشكلة النووية، بل طرف منحاز الى ايران وداعم كليا لها في هذا المجال. فالنظام السوري يتبنى الموقف الايراني القائل ان من حق الجمهورية الاسلامية مواصلة عمليات تخصيب الاورانيوم في اراضيها والحصول على الاستقلال النووي، خلافا لموقف الدول الكبرى ومجلس الامن. كما ان النظام السوري يرفض الاتهامات الدولية لايران بانها تسعى سرا الى انتاج السلاح النووي، ويرى ان النشاطات النووية الايرانية هي لاغراض سلمية. وخلافا لمواقف سائر الدول العربية فان نظام الاسد يمتنع عن حث ايران على التجاوب مع مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي تدعوها باستمرار الى التعاون معها بشفافية اكبر، وكشف كل انشطتها النووية السرية. كما ان الاسد مقتنع بان الحرب لن تقع ضد ايران، وان اسرائيل لن تجرؤ على مهاجمة المنشآت النووية الايرانية، وان ادارة الرئيس باراك اوباما ليست لديها النية للقيام بعمل عسكري ضد الجمهورية الاسلامية. اضافة الى ذلك كله ثمة معلومات غير اكيدة عن وجود تعاون سري نووي بين سوريا وايران".
ووفقا لهذا الديبلوماسي الاوروبي "فان نظام الاسد يراهن سرا على نجاح ايران في امتلاك السلاح النووي مما يؤمن حينذاك مظلة نووية للمحور السوري – الايراني وحلفائه، ويعزز موقعهم في المنطقة. لكن هذا الرهان خاطئ تماماً، اذ ان الدول الكبرى لن تسمح لايران بامتلاك السلاح النووي وتغيير موازين القوى في المنطقة لمصلحتها ومصلحة حلفائها المتشددين لان ذلك يهدد الامن والسلم الاقليميين والدوليين". وفي المجال ذاته قالت المصادر الديبلوماسية الاوروبية المطلعة "ان القيادة الايرانية ترفض اي تدخل لنظام الاسد في علاقاتها مع اميركا او فرنسا او السعودية او مصر او اي دولة بارزة ومؤثرة اخرى وذلك لسببين اساسيين:
الاول، ان ايران تتصرف على اساس انها دولة كبرى بل عظمى، وانها ليست في حاجة الى وساطة سوريا او اي طرف ثالث للتعامل مع الدول الاخرى ومناقشة القضايا العالقة معها او لتحسين العلاقات معها، اذا ما ارادت. كما ترى ايران ان اي تدخل سوري في هذا المجال او في اي مجال حيوي يخصها، يمكن ان ينتقص من نفوذها ويضعف مصالحها.
الثاني، ان القيادة الايرانية تدرك تماما ان نظام الاسد ليس لديه اي تأثير او نفوذ على اميركا او الدول الغربية الاخرى، او حتى على السعودية ومصر وغيرهما من الدول العربية المعتدلة لدفع هذه الدول فعلا الى تغيير سياساتها حيال الجمهورية الاسلامية والتقارب معها بما يؤدي الى تحقيق الاهداف والمصالح الايرانية".
ووفقا لهذه المصادر "فان القيادة الايرانية تحتاج الى التعاون مع سوريا ومع القوى  المتشددة في المنطقة في زمان الحرب وليس في زمان السلام، وذلك من اجل تعزيز استراتيجية المواجهة مع اميركا والدول الغربية ومع الدول العربية المعتدلة، ولتحسين موقعها التفاوضي بالتالي معها. ولكن حين تصبح ظروف التفاوض ناجحة فان ايران لن تطلب من سوريا المشاركة معها في المفاوضات ولن تمنحها اي دور بل ستدخل عملية التفاوض وحدها لمحاولة تأمين مصالحها الحيوية المختلفة. ويجب ان نذكر باستمرار ان الزعيم الايراني الراحل الخميني اوقف الحرب مع العراق صيف 1988 من دون ان يطلع مسبقا حليفه القوي الرئيس حافظ الاسد على قراره هذا، على رغم ان سوريا كانت الدولة العربية الوحيدة التي دعمت الايرانيين ووقفت بجانبهم طوال سنوات الحرب مع العراقيين".




تفاهمات سرية حول لبنان
وذكرت المصادر الاوروبية المطلعة ان نظام الاسد يتمسك، ايضا، بمصالحه الحيوية والاستراتيجية ويرفض اي تدخل ايراني في شؤونه وقراراته حين يتعلق الامر باستعادة الجولان المحتل عبر الحوار والتفاوض مع اسرائيل. لكن الخلاف لم ينفجر بين سوريا وايران في هذا الشأن لان عملية استعادة الجولان المحتل طويلة ومعقدة، ولان الدولتين الحليفتين متفقتان على عدم استباق الامور والدخول في نقاش عقيم حول طبيعة العلاقات السورية – الاسرائيلية في مرحلة السلام ومدى انعكاسها على التحالف السوري – الايراني، قبل ان تبدأ المفاوضات الجدية حول مصير الجولان وقبل ان تتكلل هذه المفاوضات بالنجاح.
ولكن في المقابل قال ديبلوماسي اوروبي بارز، استنادا الى معلومات تلقتها حكومته من دمشق وطهران اخيرا انه تم التوصل الى مجموعة تفاهمات سرية بين القيادتين السورية والايرانية حول لبنان وطريقة التعامل معه في المرحلة المقبلة تتضمن المسائل والامور الاساسية الآتية:
ا – ضرورة اعطاء الاولوية لتعزيز التحالف السوري – الايراني، مع تمسك كل من الطرفين بمبدأ الدفاع عن مصالحه الوطنية والحيوية العليا، والتعامل مع الدول العربية والاجنبية على هذا الاساس، مما يعني رفض اي مطالب عربية او دولية تؤدي الى اضعاف المحور السوري – الايراني وحلفائه في المنطقة.
2 – ضرورة التعامل مع الوضع اللبناني على اساس ان فوز فريق 14 آذار وحلفائه في الانتخابات النيابية الاخيرة يجب الا يؤدي الى احداث تغيير جذري في موازين القوى لمصلحة الاستقلاليين. ولذلك يجب عدم السماح باضعاف حلفاء سوريا وايران في لبنان بل ينبغي العمل على تعزيز مواقعهم ونفوذهم بمختلف الوسائل مع تجنب ادخال البلد في مواجهات امنية واسعة.
3 – ان حلفاء سوريا وايران هم وحدهم المنتمون الى فريق 8 آذار. اما الافرقاء اللبنانيون الآخرون فليسوا حلفاء، ويمكن ان تكون ثمة مصلحة في اقامة جسور حوار وتعاون معهم او مع البعض منهم، لكن ذلك يجب ان يهدف الى تعزيز مواقع فريق 8 آذار وحلفائه.
4 – اي تقارب سوري – عربي او سوري – اميركي – غربي يجب ان يؤدي الى تقوية مواقع المحور السوري – الايراني وحلفائه في لبنان، ولذلك يجب استثمار الانفتاح الغربي والعربي المشروط على نظام الاسد لمصلحة فريق 8 آذار وليس لمصلحة خصومه.
5 – يجب ان يؤدي تشكيل حكومة وحدة وطنية جديدة في لبنان الى تأمين مكاسب سياسية مهمة لفريق 8 آذار وليس الى تعزيز دور فريق 14 آذار ونفوذه مع حلفائه، وذلك من اجل احتواء نتائج الانتخابات الاخيرة وتجاوزها.
6 – يجب ان يعمل الطرفان السوري والايراني على تقليص نفوذ فريق 14 آذار وتأثيره في الساحة الدولية والدفاع عن مواقف فريق 8 آذار وتشجيع سائر الدول المعنية على التعامل مع حلفاء دمشق وطهران بانفتاح اكبر على اساس ان ذلك يخدم مصالحها في لبنان والمنطقة بشكل افضل.
7 – يجب ان تظل الاولوية المطلقة لبنانيا للقيادتين السورية والايرانية وهي ضمان احتفاظ "حزب الله" بسلاحه وبقرار الحرب مع اسرائيل في معزل عن الدولة والسلطة الشرعية، وتأمين كل انواع المساعدات الممكنة لهذا الحزب لتعزيز قدراته التسلحية تحسبا للاحتمالات المقبلة.