مجد لبنان… خذوه – نصري الصايغ – السفير

يستفظع اللبنانيون، وأهل السياسة فيه، أن يتناول الكلام، رجال الدين، وتحديداً، المراجع الدينية. ويجدون ردود الفعل على التصريحات السياسية لرجال الدين، مروقاً في السياسة، وخروجا على «التقاليد»، ونسفاً للعيش المشترك، واستفزازاً لمشاعر «المؤمنين».
قد يكون ذلك صحيحاً بنسبة ضئيلة. وهو من هذه الجهة فقط، جدير بالاحترام بضآلة أيضاً. غير أن عادة ترك رجال الدين، أو المرجعيات الدينية… أو أصحاب النفوذ فيها، يقولون في السياسة ما يشاؤون وعدم «التطاول» عليهم بالنقد، فهي عادة غير جديرة بالاحترام، بتاتاً. لأنه قد ثبت، أن «التقيّة» التي يمارسها رجال الدين سياسياً، وفي أدق التفاصيل، من التوظيف إلى صرف النفوذ إلى تأليب أصحاب القرار، إلى حسابات الربح المادي… وأخيراً المعنوي، وإلى التدخل الحميم بالقضاء، أكان مدنياً أم شرعياً، إضافة إلى صرف النفوذ، مما له علاقة بأملاك الطوائف وأملاك الوقف إلى آخره من فصول النفوذ والسيطرة، ليست فقط غير جديرة بالاحترام، بل واجبة الإدانة. وعليه، فإن التعامل بالسياسة، مع من يتعامل بالسياسة، من رجال الدين واجب ديموقراطي، وضرره الطائفي، أقل من الأضرار التي يتسبب بها النزاع السياسي الداخلي، المدعوم من المرجعيات الطائفية، علناً جهاراً، في المعابد والكنائس والجوامع ومحطات الإرسال الإذاعيـة والتلفـزيونيـة، الخاصة والعامة.
وعليه أيضاً، فإن دخول رجال الدين، حلبة الردود والنقد العلني، أمر محبّذ جداً، لأن نتائجه على المدى البعيد، تقود إلى نزع «هالة السياسة» عن كل رجل دين يتسلح بهالة القداسة ومرجعيتها وأسبقيتها وأفضليتها. بمعنى آخر، فليخوضوا المعركة كما يجب علانية، وليعتد الناس على «القيل والقال» بين رجال الدين، فإذا كان الكلام على مستوى وطني وعام ومقنعا وموحدا، كان لهم أجران، وإذا فعلوا عكس ذلك فلينالوا جزاءهم نقداً وعداً سياسياً. والبادئ أظلم.
فلتُنزع الهالة التي يتأبطها رجال الدين عندما يتحدثون في السياسة، وليقدّم لهم واجب الاحترام الكلي لمقامهم. عندما يبشرون بالدين، فضائل وآيات ومسالمة.
بمعنى آخر… فليكن رجال الدين في السياسة سياسيين فقط لا غير. وهذا ليس عيباً. وليتحملوا مسؤولية ما يقولونه، إزاء أتباعهم وإزاء من لا يوالونهم.
غير أن ما حصل في اليومين الماضيين من نقاش حول «مجد لبنان أعطي له»، هو من قبيل الحشو السياسي. ولا نتيجة منه. وتحديداً، لأن أمجاد لبنان «مخزية كثيراً»، باستثناء ما هو من أمجاد تراثه في المقاومة والثقافة والتاريخ والروح.
أمجاد لبنان الراهنة، هي نتاج عصر الانحطاط الطائفي السائد.
هل المشكلة اليوم في مجد لبنان لمن يعطى؟ إذا كان ذلك كذلك، فخذوا كل هذه الأمجاد وتوزعوها…
هل المشكلة اليوم في التعداد السكاني بين المسلمين والمسيحيين؟ إذا كانت كذلك، «فتزايدوا… وما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورُباع، ومن يفز بالإنجاب، فليعطَ ما تبقى من مجد لبنان، إذا بقي منه شروى نقير، أو كسرة وطن.
المشكلة أن البلد برمته يميد بنا. بلد طالق من الدستور والشرائع والقيم والأخلاق والاحترام. بلد على شفير الفراغ الدائم. بلد لا يستطيع، وللمرة الألف نقولها، ان يحكم نفسه بنفسه، بسبب الذين أعطوا مجد لبنان، والذين يريدون إعادة توزيع هذا المجد على الآخرين.
هذه من علامات الساعة… الجاهلية على الأبواب… أعيدوا النصاب للأصنام