صفير وفضل الله: سجال الـــقمّة قمّة الخطر! – سعد الله مزرعاني – الأخبار

الكلام الذي أطلقه العلامة السيّد محمد حسين فضل الله، ردّاً على مواقف البطريرك الماروني مار نصر الله صفير، بشأن الأكثرية والأقلية، هو كلام سياسي. كذلك كانت المواقف التي أعلنها البطريرك صفير، مواقف سياسية هي الأخرى. غير أنّ الأمر لا يُقفل على هذا التوصيف. فتداخل السياسي بالطائفي والمذهبي (وبالعكس)، وهو «أمر شائع» في الحياة السياسية اللبنانية. بل إنّ ذلك قد أصبح من التقاليد اللبنانية «المميّزة» التي يحاول البعض تصويرها على أنّها أشبه بالقدر الذي لا فكاك عنه. لقد دأب البطريرك الماروني على إطلاق «مواقف وطنية» من القضايا المطروحة في البلاد. وضعنا ذلك بين مزدوجين للإشارة إلى ما يرغب غبطة البطريرك وفريقه الكنسي والمدني في التأكيد عليه لجهة أنّه لا يتدخّل في الأمور «التفصيلية»، أي في الأمور السياسية المباشرة. وفي هذه «المواقف الوطنية» برز انحياز البطريرك إلى جانب فريق من رعيّته ومن اللبنانيين دون الفريق الآخر. هذا طبعاً من حقّه. لكن إضافةً إلى الانحياز، واظب غبطته على الترويج (بل على التحريض) لفكرة «الأكثرية التي تحكم والأقلية التي تعارض». بدا غبطته، وخلافًا لما دأب عليه في فترات طويلة سابقة من المطالبة بالشراكة في الحكم، داعية تفرّد واستئثار. ليست الأمور من ناحية التوازنات، ممكنة على الشاكلة التي يرغب في حصولها البطريرك الماروني. ونتائج الانتخابات الأخيرة، حتى لو لم يحصل ما أصاب مواقف رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي من تحوّل، لا تسمح بإمكان قيام سلطة (حكومة) مقتصرة على فريق واحد. هذه حقيقة اختبرها اللبنانيون والعرب والعالم في المرحلة الماضية الممتدة من عام 2005 حتى «اتفاق الدوحة» في أيار عام 2008. الآن، هناك العديد من الأسباب في الوضعين الإقليمي والداخلي، التي تلغي كليّاً إمكان قيام حكومة قادرة على ممارسة السلطة إذا كانت حكومة ناجمة فقط عن أكثرية نيابية، وإذا كانت أطراف سياسية أساسية غير ممثلة فيها بالشكل الكافي والمتوازن.

لا نروّج هنا لاستمرار الوضع الراهن، الذي تتضافر فيه جهود كلّ الأطراف النافذين في فريقي الانقسام والصراع اللبنانيَيْن على تجاهل البنود الدستورية الملزمة التي تنصّ على تحرير التمثيل النيابي من القيد الطائفي، وإنشاء «مجلس شيوخ» يعهد إليه، حصرياً، طرح الهواجس ذات الصلة بالمواضيع الطائفية والمذهبية ومعالجتها. لقد تحوّل «المؤقّت» في المادة 95 من الدستور دائماً، كما حصل قبل اتفاق الطائف. يدرك ذلك جيّداً البطريرك صفير وسواه. لكنّ عليه أن يدرك أيضاً أنّ استمرار هذا الأمر الذي ينطوي على مخالفة دستورية صريحة، ينطوي أيضاً على ضرر وطني كبير من خلال التمديد للنظام الطائفي ـــــ المذهبي الذي بات عاجزاً عن تنظيم شؤون اللبنانيين، وعن تسيير مؤسّساتهم. وهو كذلك مسؤول عن مفاقمة الانقسام في ما بينهم، وعن تعزيز التدخل الخارجي في شؤونهم… يحصل ذلك على حساب استقرار لبنان ووحدة شعبه الداخلية، وعلى حساب سيادته وعافيته وتطوّره في جميع المجالات.
لكن للأمر زاوية أخرى لا بدّ من أن تتداعى إليها الأمور. ففي الوقت الممدّد والممتد الذي يجري فيه إهمال الإصلاح السياسي وفق الدستور بإسقاط القيد الطائفي وبـ«إلغاء الطائفية» كما جاء في مقدّمته، يتعزّز الواقع الطائفي والمذهبي في الحياة وفي الممارسات. وما مطالبة البطريرك صفير بحكم «الأكثرية» إلا من هذا القبيل. إنّ الاعتقاد بأنّ الأكثرية في لبنان هي أكثرية طبيعية وعادية، هو اعتقاد غير صحيح على الإطلاق. والدعوة إلى اعتماد هذا المفهوم ستؤدّي إلى عواقب وخيمة، لا ندري ما إذا كان غبطة البطريرك يدركها بكامل مفاعيلها المتوقعة. ومن بين ما لم يتوقعه البطريرك، ربّما، الردّ الذي جاءه من السيّد فضل الله. فالسيّد فضل الله طالب باعتماد حكم الأكثرية في كلّ شيء، مذكّراً ضمناً، بالخلل الديموغرافي الذي يتزايد باستمرار لمصلحة المسلمين على حساب المسيحيين. هذا الردّ منطقي إذا ما استمرّ التمسّك بالمحاصصة الطائفية والمذهبية. لن تجدي في ذلك، إلا مؤقتاً، تطمينات الرئيس المكلف سعد الحريري لجهة المحافظة على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. لكن هذا الرد الذي أطلقه السيّد فضل الله ولكي لا يأخذ طابعاً طائفياً أو مذهبياً كان ينبغي أن يقترن بالمطالبة بإقامة نظام المساواة بين اللبنانيين، تطبيقاً للدستور، وإنهاءً لمخالفة بنوده التي يشارك فيها الجميع، كما ذكرنا. ونتذكّر هنا ما كان طالب به المطران المتنوّر غريغوار حدّاد حين اقترح إلغاء الأساس الطائفي للنظام السياسي، وإقامة نظام المساواة بين اللبنانيين. رأى المطران حدّاد أنّ الصيغة التي حكمت توزيع الحصص تعرّضت لتغيير كبير. وهو لفت إلى أنه ليس من العدل أن يأخذ «المسيحيون» نصف المقاعد والمواقع إذا كانوا قد باتوا أقلّ عدداً ممّا تفرضه المناصفة. وقد مضى المطران جريئاً في طرحه حين طالب بإلغاء الطائفية السياسية وبإقامة نظام مدني. يومها جاءه الردّ على يد «مختلّ»، وعلى أسوأ ما يكون الرد، اقتصاصاً من جرأته ومن أفكاره، ودون تقدير لموقعه ولمساهماته المميّزة في الحقول الفكرية والاجتماعية والتنويرية!





يحيلنا هذا الأمر، مجدّداً، على الخلل الطائفي والمذهبي في علاقتنا وفي نظامنا السياسي. وهذا الخلل يتفاقم الآن بسبب تكريسه وعدم معالجته من جهة، وبسبب استخدام الانقسام المذهبي، على مستوى المنطقة، سبيلاً إلى افتعال قضايا وطمس أخرى (ومنها القضية الفلسطينية)، من جهة ثانية.
في هذه المرحلة الجديدة و«الطبيعية» (!) من تفاقم الطائفية والمذهبية، تصبح الحاجة إلى الإصلاح، حاجة مصيرية. لم يعد يكفي أن نلعن الطائفية والمذهبية. البعض، كما هو مفضوح، يفعل ذلك من قبيل الكذب والادّعاء. آخرون يظنّون أنّ المحاصصة الطائفية والتوزيع الطائفي والمذهبي يمثّلان ضمانة وجود. لم تعد الطائفية تمثّّل أيّة ضمانة. التجربة أثبتت كلّ ذلك لكلّ ذي عين ترى. ومن جهة ثانية، لم يعد يكفي إطلاق الهجاء والشتائم ضدّ الطائفية والمذهبية. نريد أن نرى في كلام السيّد فضل الله تحذيراً لكنّنا نتمنّى لو ذهب أبعد في اتجاه الحل وفي قول ذلك: لا بدّ من الإصلاح! ونريد في المقابل، أن نفهم من كلام البطريرك صفير جانبه الإيجابي، وهو السعي إلى تعزيز المعادلات الديموقراطية في حكم البلاد وفي عمل مؤسّساتها. لكنّ هذا الأمر متعذّر في ظلّ «الديموقراطية» الطائفية. ذلك لأنّ الطائفية، في الأساس، هي عصبية عمياء ونقيضة على خط مستقيم لمفهوم الديموقراطية في أبسط تعابيرها.
طبعاً، نزول أسماء كبيرة إلى عالم السجال والصراع، مسألة خطيرة. لكنّ المفجع أن يصدر موقف عن جهة سياسية مفترض أنّها متنوّعة، وتضمّ أسماءً ذات ماض يساري سابق (مزعج أليس كذلك بالنسبة إلى هؤلاء تذكيرهم بذلك الماضي «اللعين»)، موقف ينتصر لأحد طرفي السجال من منطلق أنّ القداسة والوطنية تنطبقان فقط على جهة دون سواها!
إنّه فصل جديد من الانحدار الذي لن يُخرجنا منه إلا عمل وطني مبادر وسريع، لكي لا نندفع أكثر نحو الهاوية وبأيدينا، وليس فقط بسبب الآخرين!