بكركي الطريق الصواب – نايلة تويني – النهار

رغم إننا من الذين يؤمنون بضرورة ابقاء المرجعيات الدينية خارج كل السجالات واليوميات والعراضات السياسية، حتى حين يمتد الصراع السياسي إلى هذه المرجعيات، فلا يمكننا إلا أن ننظر بقلق شديد إلى التعرض لموقع بكركي ودورها ومواقفها الوطنية المشهودة.
نحن من الذين يعتبرون بكركي صرحاً وطنياً تاريخياً، تتخذ مواقفها من وحي دور يتجاوز كونها رأس الكنيسة المارونية إلى موقع التصق اسمه بمسألة السيادة والاستقلال، مذ لعبت الدور الحاسم في قيام الكيان اللبناني المستقل والنضال من اجل الحريات لمختلف العائلات والطوائف اللبنانية. وهذا الدور لا جدال فيه ولا خلاف عليه لأنه حقيقة فوق كل نقاش.
وإذا كانت مواقف البطريرك مار نصر الله بطرس صفير قد شكلت منذ العام 2000 المحور الأساس والدافع الأقوى والجوهري لاستعادة لبنان "استقلاله الثاني" مع "ثورة الأرز" و"انتفاضة الاستقلال" في 14 آذار 2005، فإن هذا وحده يكفي لإثبات أهمية الدور الاستثنائي لبكركي في إبقاء لبنان حراً سيداً مستقلاً، يتمتع بنظام ديموقراطي يشكل ثروته الحقيقية في هذه البقعة المتفجرة من العالم ووسط أنظمتها المعروفة.


والواضح أن البطريرك صفير أزعج منذ ما قبل الانتخابات الأخيرة وما بعدها، كل الذين يريدون تغيير وجه لبنان ونظامه لانه لم يتراجع قيد شعرة عن تمسكه بالوجه الحقيقي للبنان وبنظامه الفريد، وواجه بشجاعة وإصرار نادرين كل الأخطار المحدقة بهذا اللبنان الذي نذرت بكركي نفسها للدفاع عنه.
ولم يكن النداء الشهير للبطريرك صفير عشية يوم الانتخابات سوى تأكيد منه بأن بكركي لا تتراجع أمام خطر تراه محققاً إذا ما صمتت. كما لم تكن مواقفه الأخيرة من تأليف الحكومة، ودعوته إلى غالبية تحكم وأقلية تعارض، سوى فعل إيمان راسخ بالديموقراطية الصحيحة والسليمة التي تحترم رأي الناخب وتشكل مظلة حامية للنظام.
لذلك لا يمكننا إلا النظر بقلق وأسف وصدمة إلى رد المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله على بطريرك لبنان وانطاكية وسائر المشرق من زاوية مخالفة تماماً لما تريده بكركي ولما تهدف إليه فعلاً. فإنكار "مجد لبنان" عن بكركي لا يملك أي مرجع ديني أو زمني أن يعلنه من موقع الرد على موقف ما، ولو كان من حقه الكامل أن يخالفه، لان هذا المجد ليس مصطنعاً أو عابراً، بل هو حقيقة تاريخية يستحيل أخذها ممن أعطيت له.
أما العودة إلى الديموقراطية العددية فمعناها قلب الطاولة على النظام والسياسة وكل شيء آخر. وليس لنا في هذه الحال إلا أن نخشى على الكيان اللبناني برمته، ما يعزز اقتناعنا بأن بكركي كانت، كعادتها، على الخط الصواب.