لا ضجيج في البيت الأرثوذكسي ولا من يضجّون – جورج ناصيف – النهار

لا أود ان ادخل في سجال تفصيلي مع السيد غسان سعود، صاحب مقال "ضجيج في البيت الأرثوذكسي" (جريدة "الاخبار"، الثلثاء 25 آب) لانه شاء ان يحشد في مقال صغير بلا اسانيد، عشرات الملفات المتباعدة، في اختلاط تحل فيه الاختلاقات محل الوقائع، والتسريبات والرغائب محل الحقائق (ولو كان المسربون كهنة وشمامسة معروفين بالاسم والهوية السياسية)
لكن ثمة امورا يجب ان تكون جلية:
– ليس هناك "من حريريين ارثوذكس ابرزهم طارق متري" الا اذا شاء صاحب المقال ان يصنف نفسه في خانة "العونيين الارثوذكس". حينها ليسفر عن وجهه، ويتكلم باسم تياره السياسي من غير ان يتقنع بالصفة الارثوذكسية.
– ان العلاقة بين مطرانين جليلين (جورج خضر والياس عودة) يقرر حدودها المجمع المقدس، صاحب السلطة الوحيدة عليهما، وهما، بداية ونهاية، ناطقان بليغان باسم كنيستهما الواحدة، الجامعة المقدسة، الرسولية. كل بثقافته ولغته ونمطه التعبيري الخاص، يقول ما يلهمه اياه الروح، في خشعة التعبد.
– ان شؤون "المجالس الملية"، وانتخاب خلف للمطران المثلث الرحمة الياس قربان ليست مواضيع برسم التندر الاعلامي الخالي من اي التزام كنسي. فالمؤمنون الملتزمون قضية ربهم وكنيسته، هم وحدهم اصحاب الحق في تدارس هذه المواضيع، في ورع ومعرفة، بعد استلهام الروح القدس.
– اغرب الكلام ما جاء حرفيا: "ان المطران جورج خضر يبلع الموسى منذ سنوات. يسكت عن تجاوزات كثيرة لموقعه ارثوذكسيا وللموقع السياسي التاريخي لطائفة الروم الارثوذكس".
في علمنا ان طارق متري (الصديق قبل الوزير وبعده) كان أفصح السياسيين اللبنانيين الارثوذكس في صياغة الموقف التاريخي للكنيسة الارثوذكسية: التزام الانتماء العربي خيارا لبنانيا حاسما، التزام العيش الاسلامي – المسيحي، التزام وحدة لبنان وحرية ابنائه وسيادة دولته من غير شوفينية او انعزال، الامتداد جسرا حواريا بين الطوائف، التزام الحق الفلسطيني، احترام التنوع السياسي والايديولوجي على مستوى لبنان، كما على مستوى المواطنين الارثوذكس، تحت سقف الثوابت الارثوذكسية التي حددها اكثر من اجتماع للمجمع المقدس، واكثر من موقف للاحبار الارثوذكس.
هذه هي مراجع الارثوذكس. و"النهار" هي منبر المطران جورج خضر والمطران الياس عودة، سواء بسواء. ولسنا نعلم ان احدا بالع موسا، او قصد جريدة "الاخبار" ليشكو اليها "تجاوز موقعه الارثوذكسي".
البيت الارثوذكسي "لا ضجيج فيه". فليبحثوا عن الضجيج في بيوت اخرى اقرب الى صاحب المقال واصحابه، من رجال دين ودنيا.

II
كثيرة هي الكتب الفكرية والدينية والدراسات والتقارير الشديدة الرصانة (ويقتضي اعدادها سنوات) التي تعج بها المكتبات، لكنها لا تبلغ القارئ "العادي"، لتقصير فادح في الاعلام عنها، او لشحة في الاهتمام الاعلامي بها، او لقصور في عقد ندوات جدية عنها.
بين هذه الكتب والدراسات، التقرير الوطني الدسم، حجما ومضمونا، الذي صدر عن "التنمية البشرية 2008 – 2009"  تحت عنوان "نحو دولة المواطن" وعمل عليه 150 باحثا واختصاصيا واكاديميا، في اطار جهد تعاوني استغرق ثلاث سنوات بين برنامج الامم المتحدة للانماء ومجلس الانماء والاعمار.
الشؤون اللافتة في التقرير كثيرة جدا لعل من ابرزها الخلاصة التي تفيد "ان لبنان حقق تقدما مطردا على جميع الجبهات منذ السبعينات، رغم سنوات الحرب الاهلية الخمس عشرة والنزاعات الكبيرة الاخرى. فقد ارتفع متوسط العمر، وانخفضت وفيات الاطفال الحديثي الولادة. وفي العقد الاخير او نحوه، انخفضت ايضا حالات التأخر المدرسي كما تراجعت مستويات الامية" (ص 51).
لكن هذه الصورة التي تبدو وردية لا تحجب عن الرؤية ان نسبة الفقر ما زالت مرتفعة 8 في المئة، اي 300 الف نسمة، يعانون الفقر المدقع الذي هو دخل دون خط الفقر الادنى (2,4 دولارين يوميا) ويقع قرابة ثلث السكان تحت خط الفقر الاعلى (4 دولارات يوميا). علاوة على ذلك، شهدت فترة 2004 – 2007 ارتفاعا في مستويات الفقر المدقع.
تتضاعف خطورة هذا الواقع، متى علمنا ان ثمة ازديادا في انتشار الفقر في بعض المناطق، وخصوصا في الشمال، ثم الجنوب.
وتمتد اللامساواة بين المناطق الى ميادين الصحة والتعليم والدخل وعمل الشباب (معدل البطالة لدى الشباب 19,2 في المئة مقارنة بـ7 في المئة لدى البالغين (ص 65) فضلا عن بطالة متزايدة لدى النساء.
تترتب على هذا التقرير نتائج سياسية واجتماعية مهمة في طليعتها ان مناطق الفقر هي المناطق الاكثر استقبالا للتيارات الدينية الاصولية، وخصوصا متى رافقت زيادة في نسب البطالة لدى الشباب.
أليس الانكباب على درس هذا التقرير واستقراء نتائجه وانعكاساته، خيرا من اهدار الوقت والعمر في تتبع اخبار البورصة الحكومية، صعودا وهبوطا؟