صراع بين اتفاق الطائف واتفاق الدوحة – سركيس نعوم – النهار

لن يستقر الوضع السياسي في لبنان قبل ان تستعيد سوريا بشار الاسد نفوذها كاملاً في لبنان، وإن من دون عودة جيشها الى اراضيه. ولن يستقر ايضاً قبل ان "تقنع" اللبنانيين بقبول هذا الامر ومبرراته، وأبرزها الحؤول دون تجدّد العنف والاقتتال المذهبي والطائفي. ولن يستقر أخيراً قبل ان تكرّس استعادة النفوذ بالحصول من جديد على شرعية عربية وشرعية دولية رسميتين لدورها اللبناني. والشرعية العربية تؤمنها على وجه الاجمال المملكة العربية السعودية ومصر. واذا كانت الأولى دخلت مع سوريا بازاراً من هذا النوع وكادت ان تعطي دمشق ما تريده من لبنان، فإن الثانية رفضت لأنها لا تزال مقتنعة بان ما يحرّك سوريا هو مصالحها وبأن مصالح لبنان هي آخر ما يهمها، فضلاً عن ان مصالح حليفتها الجمهورية الاسلامية الايرانية اهم لديها بكثير من المصالح العربية. وقد يكون هذا الرفض هو ما دفع السعودية، الى رفض رئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري الشق اللبناني من البازار السعودي – السوري، الى التريث والإحجام عن مواصلة الضغط على الزعيم اللبناني الشاب للسير في ما لا يستطيع السير فيه.


ولن يستقر الوضع السياسي في لبنان قبل ان تكرّس الجمهورية الاسلامية الايرانية فيه وجودها السياسي والأمني والعسكري والايديولوجي والديني والمذهبي، غير المباشر طبعاً. ولا يعني ذلك ان هذا الوجود صغير او ضعيف، فهو الآن اقوى من اي وقت مضى، اقوى من الوجود السوري فيه، وكذلك اقوى من الوجود السعودي – المصري – الاردني، ومن الوجود الاميركي – الاوروبي، بل الدولي ايضاً. لكنه يبقى دائماً معرضاً للاستهداف لأن سوريا رغم حلفها الذي تصنفه استراتيجيا مع ايران الاسلامية تتعرض لضغوط واغراءات عربية واقليمية ودولية بغية إضعاف الوجود الايراني في لبنان، وتقليص تأثيره الداخلي والاقليمي اذا لم يكن في الإمكان التخلص منه في صورة نهائية، واذا لم يكن في الإمكان أيضاً اضعاف التحالف بين دمشق وطهران او فضّه.
ولن يستقر الوضع السياسي في لبنان قبل ان تتوصل اميركا ومعها المجتمع الدولي الى تفاهم ثابت مع ايران يحفظ مصالح كل الأفرقاء او قبل ان يتصادم الفريقان على نحو عنيف جداً وتظهر نتائج صدام كهذا. علماً ان الصدام لا بد ان يعرّض لبنان لكوارث واهوال كثيرة قبل ان يفتح له ابواب الاستقرار، هذا اذا فتحها، لأن نتائجه لا يمكن التكهّن بها وكذلك مدته رغم ميزان القوى غير المتكافئ بين الفريقين.





طبعاً لا يعني عدم استقرار الوضع اللبناني ان كفة سوريا والجمهورية الاسلامية ليست راجحة في لبنان. لكنه يعني، بسبب شعور كل منهما او شعورهما معاً بأن وضعهما اللبناني المميز لم يُثبّت بعد رسميا من المجتمعين العربي والدولي اللذين تتزعمهما اميركا، ان العجز عن تأليف حكومة جديدة في لبنان بعد الانتخابات النيابية التي أجريت في حزيران الماضي سيبقى مستمراً الا اذا رضخ رئيس الوزراء المكلف والفريق السياسي الذي يقود لشروط حلفاء صاحبي الكفة الراجحة في لبنان (سوريا وايران) وفي مقدمهم "حزب الله" و"التيار الوطني الحر".
الا ان السؤال الذي يطرح نفسه هو: على ماذا سيستقر الوضع اللبناني في حال نجحت دمشق وطهران في تكريس نفوذهما، او احداهما، رسمياً وعربياً ودولياً في لبنان وعليه؟
ومعنى هذا السؤال يمكن ان يفسره سؤال آخر هو: هل ان الاستقرار السياسي اللبناني يرتبط فقط بضمان سوريا وايران مصالحهما في لبنان ونفوذهما فيه وعليه، ام ان الضمان هو وضع داخلي لبناني لا يمكن ان يتوصل يوماً الى مناكفة هاتين الدولتين او الى محاولة استعادة نفسه من وصايتهما او من وصاية احداهما؟
ويعني ذلك في صراحة: هل ان الاستقرار السياسي الداخلي في لبنان سيقوم على اتفاق الطائف او بالأحرى على استكمال تنفيذه، على بعض الثغر فيه، ام انه سيقوم على اتفاق آخر لا يزال في عالم الغيب رغم ان ملامحه بدأت تتكوّن على ارض الواقع، وذلك بفعل ممارسات ومطالبات وشروط تُلبّى تدريجاً ومع الوقت بفعل الامر الواقع وضغوطه السياسية والعسكرية والامنية الامر الذي يضعف الطائف او يلغيه ويؤسس لاتفاق جديد بتركيبة جديدة تسهّل بقاء لبنان بين ايدي سوريا وايران، وذلك من خلال كون توازنها الداخلي ظاهرياً وليس فعلياً؟
وفي الحقيقة، فان الاجوبة الجازمة عن هذه الأسئلة لا تزال غير متيسرة، لكن من يتابع التطورات اللبنانية يلاحظ ان التوافقية والثلث المعطل والاصرار على "تشليح" رئيس الوزراء المكلف ورئيس الجمهورية صلاحياتهما المتعلقة بتأليف الحكومة وجعل مجلس الوزراء كونفيديرالية طائفية ومذهبية والتمسك بمصدر القوة على الارض الذي هو السلاح ورفض اخضاعه للدولة – من يتابع كل ذلك يتيقن ان هناك محاولة مستمرة ومنهجية لإحداث تغيير جوهري في النظام اللبناني يلغي الطائف ويمهّد لاتفاق آخر ينص على صيغة اخرى اكثر ملاءمة لسوريا وايران.
ولعل تعليق احد السفراء العرب على الازمة الحكومية الراهنة بقوله: هناك اتفاق الدوحة. وهناك اتفاق الطائف الذي لم يطبّق. وعلى اللبنانيين ان يختاروا بينهما – لعل في هذا التعليق ما يوحي حقيقة الصراع الداخلي على النظام السياسي وحقيقة الدور الخارجي في هذا الصراع، وما يوحي ايضاً أن هناك صراعاً بين عرّابي الدوحة وعرّابي الطائف. وهو لم ينته رغم كل كلام مخالف.