متري يثير ضجيجاً في البيت الأرثوذكسي – غسان سعود – الأخبار

محاطاً بممثلي الرؤساء «الأربعة»، وقف الوزير طارق متري الثلاثاء الماضي بخشوع في كنيسة مار نقولا في الأشرفية ليستمع إلى متروبوليت جبل لبنان للروم الأرثوذكس، المطران جورج خضر، ممثلاً بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، أغناطيوس الرابع هزيم، يعظه بهدوء صارم.
بداية، ذكّره خضر بأنه عرابه ـــــ والده في المعمودية، مردداً حرفياً: «حقّ عليّ أن أذكّرك بأني انتشلتك من حوض المعمودية للحياة الأبدية». تابع: «أعطني طارق أن أفتخر دائماً بك، وأن أبصر أني أستطيع أن أتتلمذ عليك، شرط هذا أن تبقى طاهراً بالماء الذي غسلتك أنا به، وأنا واثق من أن الرب معطيك، وكل إخوتنا الأساقفة والكهنة، وكل زملائك في الأكاديمية وفي الدولة يرجون ما أرجوه أنا: أن تكون دائماً قائماً من الموت، موت الخطيئة إلى ضياء البر».
في مخاطبة مباشرة، استثنائية في جرأتها، قال المطران خضر أيضاً: «طارق، خارج هذه الطهارة لا نساوي شيئاً، قد نخطئ في العقل، في المحاكاة الذهنية، في تقدير الأمور في البلد وخارجه لأننا لا نعرف كل شيء، وليست لنا الحكمة كلها، لكننا نأبى أن نتدنّس (..)».


كلام خضر أتى أمام حشد من زملائه المطارنة الذين تقدمهم متروبوليت بيروت للروم الأرثوذكس، المطران الياس عودة.
الموجودون في الكنيسة شُغلوا في تقصّي أسباب لهجة المطران في وداع صديقه.
البعض قال إن العلاقة بين المطران خضر والحريريين الأرثوذكس، وأبرزهم متري، بلغت مستوى من التوتر غير مسبوق، وأشار هؤلاء إلى وصول معلومات إلى المطران خضر عشية الجناز تؤكد أن طارق متري يفضل أن يصلي المطران الياس عودة لا هو على جثمان والده. لكن تدخلات عائلية حالت دون ذلك، وهو ما دفع خضر إلى الرد على هذه المحاولات عبر التذكير بصداقته مع الياس متري، والد الوزير طارق متري.
البعض الآخر ربط لهجة خضر بـ«تراكم مجموعة مآخذ سياسية على أداء طارق متري، وانتظاره المكان والزمان المناسبين لإسماع متري الكلام المناسب». ويشير أحد المقربين من المطران في هذا السياق، إلى أن الأخير «كان يعتبر نفسه معنياً بنجاح تجربة طارق متري، وهو وفّر للشاب العكاري كل إمكانات التفوق، وخلال الحرب كان يعتبره ناطقاً باسمه في كثير من المناسبات، لكنه صدم أخيراً من مساره السياسي».




يرى آخرون أن خضر «يبلع الموسى» منذ بضع سنوات، ويسكت عن تجاوزات كثيرة لموقعه أرثوذكسياً وللموقع السياسي التاريخي لطائفة الروم الأرثوذكس. لكنه بات يشعر بأن السكوت الإضافي سيشكل وصمة عار. وهو وجد يوم الثلاثاء الماضي الفرصة المناسبة لإيصال رسالة إلى كل من يهمه الأمر بأنه مستعد للتعبير بصراحة وبصوت عالٍ عن مواقفه تجاه الكثير من القضايا المتعلقة بأمور طائفته.
المتابعون يقولون إن قضية طارق متري مجرد تفصيل، فالتوتر آخذ بالتصاعد على أكثر من مستوى داخل البيت الأرثوذكسي:
ـــــ البطريرك أغناطيوس الرابع هزيم كان سباقاً في تأييد طرف ضد آخر، حين أرسل من يقول إن غبطته يبارك النائب ميشال المر وخطه السياسي ضد خصومه السياسيين. وكان واضحاً جداً في مقاطعته الاستقبال المسيحي للعماد ميشال عون في سوريا. ما يثير داخل طائفة الروم الأرثوذكس انقساماً في شأن المرجعية الروحية يشبه الانقسام الحاصل في الطائفة المارونية.
ـــــ المطارنة الأرثوذكس أنفسهم منقسمون، فهناك مجموعة صغيرة جداً تلتف حول المطران عودة وتأكل من مطبخه السياسي، ومجموعة صغيرة أيضاً تلتف حول المطران خضر، ومجموعة أكبر من المجموعتين السابقتين تلتف حول المطرانين أنطوان الشدراوي ويوحنا اليازجي. والانقسام هنا، بحسب مصدر مطلع، ليس سياسياً بالضرورة فهو يشمل الكثير من القضايا المتعلّقة بدور الكنيسة الأرثوذكسية حاضراً وسبل تفعيلها أكثر. ويذكر هنا أحد المتابعين أن التقليد يقضي بأن يتحدث المطرانان خضر وعودة باسم الطائفة، مع التزام مبدأ أن ينطق كل مطران بلسان أبرشيته. لكن الأمور تغيرت منذ بضع سنوات، حين قرر البطريرك هزيم، لسبب محدد، تكليف عودة وحده الكلام باسم أرثوذكس لبنان، ما أزعج المطران خضر الذي يرى بعض المحيطين به أنه أحق بالنطق باسم الطائفة في لبنان لكونه يمثل أكبر أبرشية (تضم 84 رعية)، في ظل تمسك عودة باعتبار كل ما يصدر عن غيره تجاوزاً له. ويفترض أن يبرز هذا الانقسام جيداً خلال اجتماع «المجمع المقدس» (أشبه باجتماع المطارنة الموارنة)، الذي سيعقد في أواخر الشهر المقبل، إذ يفترض أن يثير تعيين مطران على أبرشية طرابلس انقساماً جدياً بين المطارنة، لأن لكل مجموعة مرشحها. ورغم التقارب سياسياً بين مجموعتي خضر والشدراوي، إلاّ أن لكل منهما مرشحاً، وسط تخوف من أن يحاول البطريرك الالتفاف على وجود أكثرية داخل المجمع معارضة للاسم الذي ينوي طرحه لشغل منصب مطران طرابلس عبر إقصائه مطارنة الانتشار عن الاجتماع. ولا يتردد أحد من «وجهاء» الطائفة في التأكيد أن ثمة صراعاً جدياً على وراثة البطريرك هزيم داخل المجمع المقدس، وقد يكون أحد أبرز اللاعبين في هذا الصراع البطريرك هزيم نفسه. ويذكر هنا أن المطارنة الذين لديهم أبرشيّات هم وحدهم يملكون حق التصويت داخل المجمع.
ـــــ داخل كل أبرشية تبرز بعض المشاكل. فمن جهة، يشتكي بعض العلمانيين من قرار إلغاء «مجلس الملة»، الذي حرر المطران من أي محاسبة أو شراكة داخل أبرشيته. يضاف إلى ذلك أن حركة الشبيبة الأرثوذكسية، التي شكلت العمود الفقري لاستعادة الطائفة الأرثوذكسية حضورها في المجتمع، تواجه في بعض الأبرشيات تضييقاً من مطارنة يفترض أنهم متخرّجو هذه الحركة. يشار هنا دائماً إلى حصول تغيّر في مبادئ الحركيين وتوجههم السياسي بعد تبوئهم أي منصب سياسي بارز. ويسجل أحد الآباء غضباً كبيراً مما يصفه بتخلي المجمع الكنسي برمته عن الناس، مشيراً إلى أن بعض المؤسسات الأكاديمية والصحية المعروفة بارتباطها بالكنيسة الأرثوذكسية ليست للأرثوذكس، بل لمن يدفع المال. وهو أمر سبب غياب الطائفة سياسياً أو اقتصادياً.


ختاماً، يشير أحد المتابعين لشؤون الطائفة الأرثوذكسية إلى أن النواب الأرثوذكس الفائزين في الانتخابات النيابية كانوا في المكان نفسه مع مطارنة أبرشياتهم، أما الناخبون الأرثوذكس فكانوا في مكان سياسي آخر. بحسب المتابع، هذا مؤشر إلى حال الطائفة الأرثوذكسية: نصف الناس في مكان ورجال الدين في المكان الآخر