عباقرة ١٤ آذار يريدون حكومة لهم: لا أحد يجبرنا على التعايش مع حزب الله – ابراهيم الأمين – الأخبار

ليس من باب النق، ولكن الوقائع تظهر يوماً بعد يوم، ان هناك مشكلة جدية لدى فريق 14 آذار وأن لغة التصعيد تعود الى الصدارة، وخصوصاً أن هناك من يعمل بقوة على إشعال الجبهة من جديد مع حزب الله. والجديد ان الرئيس المكلف سعد الحريري الذي يسرب عبر العاملين عنده انه يسعى الى تفاهم رئيسي مع حزب الله هو من بدأ يعطي الاشارات التصعيدية، سواء من خلال الحملة التي كلف بها مقربون منه وأعضاء في تكتله النيابي او في تياره السياسي او في مؤسساته الاعلامية، او من خلال رسائل خاصة يبعث بها الحريري عبر من يرى انه ناقل امين للرسائل الدقيقة.
في مجال النقاش العام، خرج من بين المقربين من 14 آذار ومن بين النافذين في هذا الفريق من يتحدث عن الاحراج الشديد لفريق 14 آذار اذا ألفت حكومة تضم حزب الله. ويصف هؤلاء التفاهم الذي تم مع السعودية على فكرة الحكومة الوفاقية التي يحضر حزب الله فيها بقوة، بأنه «الخطأ الذي اجبر الولايات المتحدة ومصر وعواصم اخرى على خطوة مباشرة باتجاه تجميد هذه الخطوات ووقف الاندفاعة السعودية تجاه سوريا ومن خلالها باتجاه حزب الله». ويضيف هؤلاء: «ليس هناك من تفسير لحاجة 14 آذار بعدما ربحت الانتخابات لأن تعقد صفقة مع حزب الله، ما دامت القوى الاساسية وافقت على الدعوة الى تفادي الصدام مع الحزب والى تجاهل قضيته الرئيسية التي تتعلق بسلاحه وبدوره الاقليمي، وبات على الجميع الدخول مباشرة في صلب هذا الموضوع».
ويعتقد اصحاب هذه الوجهة، أن الكل «متفاهمون على ان الخطر الحقيقي بوجه 14 آذار وقواه السياسية والاقتصادية هو حزب الله، وأن وليد جنباط نفسه اقر بهذه الحقيقة وهو يدافع عن خطوته بالانفتاح على الحزب والسوريين، وبالتالي فإذا كان حزب الله سيبتزنا طوال الوقت بأنه قادر على قلب الطاولة بسبب قدراته العسكرية والمالية، فهذا لا يعني ان نكون رهائن عنده، بل يجب عدم تجاهل الحقيقة والذهاب مباشرة نحو مواجهة معه، لا مع الاخرين».

هذا المنطق الذي يشجع عليه الاميركيون، ولا يعارضه المصريون، ويحذره السعوديون والفرنسيون، هو السائد بقوة من حول سعد الحريري، وفيه ينخرط كل الذين يمكن وصفهم بالجوقة السياسية والاعلامية والدبلوماسية بما في ذلك قوى بارزة في فريق 14 آذار على رأسها «القوات اللبنانية». ويعتقد هؤلاء انه لا بد من وضع آلية تمنع التورط في حكومة تغطي حزب الله من جديد فيما ليس هناك ضمانة بالتزامه معنا عدم متابعة برامجه الخاصة بالمقاومة. ويقول احد منظري هذا الفريق: «لنتحدث صراحة، نحن لم نكن ضد المقاومة لأن اسرائيل كانت موجودة هنا، ولأن المقاومة لم تكن تحتاج الى اذن من احد، ولكننا اليوم لم نعد نريد مواجهة مع اسرائيل ولسنا مستعدين لدفع تضحيات كبيرة مقابل مزارع شبعا، ونحن نشك في أن حزب الله لديه برامج خارجية كبيرة هي ليست من اهتماماتنا وليست من ضمن اقتناعاتنا، وبالتالي لسنا مستعدين لتغطيته، وإذا أراد أن يستولي على البلاد فليفعل ذلك وحده وليتحمل المسؤولية عن ذلك، وبالتالي فإن التفاهم الاساسي المطلوب مع هذا الفريق ليس متوافراً الآن، فلماذا ندفن رؤوسنا في الرمال ونسعى الى تفاهم نعرف أنه سينفجر في قرب وقت ممكن».
ويأخذ صاحب هذا الكلام على قوى بارزة في 14 آذار أنها تخضع للابتزاز «وإلا فما هو تفسير حركة جنبلاط، هو معنا قلباً وعقلاً، ولكنه بات يخاف من حزب الله، ويشعر بأنه مهدد طوال الوقت، وهو لا يهتم بكل الكلام الذي قاله عن العروبة واليسار وخلافه، ولكنه خائف من حزب الله، ويرى أن مواجهة الحزب خيار جرّب ولم يأت بنتيجة، فلماذا الاصرار عليه». ويتابع: «ربما يكون جنبلاط محقاً في ضرورة البحث عن مقاربة جديدة لملف حزب الله، ولكنه غير محق في الاستسلام ومحاولة جر 14 آذار الى هذه الخطوة، وهو اذ يتحدث عن خصوصية درزية يجب ان يأخذ بالاعتبار ان لدى كل الآخرين خصوصياتهم ايضاً».





وفي السياق نفسه، يمكن تلمس تطورات جديدة، ولكن عند الحريري نفسه هذه المرة، ويمكن ملامسة الامر من خلال الآتي:
اولاً: استئناف الوسائل الاعلامية المملوكة من الحريري حملتها على حزب الله وتحميله مسؤولية موقف العماد ميشال عون وأنه لا يريد للحكومة ان تبصر النور الا بشروطه.
ثانياً: اعادة الاعتبار الى الخطاب المذهبي التحريضي، المترافق مع عودة الكلام عن التسلح وخلافه، وهو امر ظهر واضحاً في تصريحين، الاول للنائب محمد كبارة النائب الطرابلسي الذي يتحدث عن السنة وعن الحزب الإلهي المزعوم، والثاني لمصطفى علوش الذي يتحدث عن التسلح في طرابلس لمصلحة حزب الله، بالاضافة الى ما بدأ الناس يسمعونه في سهرات رمضانية.
ثالثاً وهو الاخطر، الكلام الذي سمعه الوزير طلال ارسلان من الحريري نفسه عندما لبّى دعوته الى الغداء قبل فترة، ويومها تحدث الحريري بتوتر عن الوضع وقال إنه إذا فكر حزب الله بالعودة الى الشارع مجدداً، او اللجوء الى السلاح، فنحن لن نسكت، ونحن نقدر على قلب الطاولة، واذا كان الجيش قد وقف على الحياد في المرة الماضية فنحن نقدر على شق الجيش ولدينا نفوذنا الكبير داخله.


وإذا كانت رسالة الحريري هذه واضحة لناحية المناخ النفسي التصعيدي الذي يعيشه الرجل، فذلك ليس لأن لديه معطيات عن نية حزب الله او المعارضة القيام بشيء، بل ربما ـــــ او على الارجح ـــــ لأنه يملك معطيات عن تطور ما سيحصل من خارج لبنان، له انعكاساته المباشرة على لبنان، وهذا التطور يتعلق بحزب الله وبأن الحزب سيكون له رد فعل على هذا التطور، والحريري يتخيل رد فعل الحزب على شكل تحرك على الارض، مدني او عسكري، وبالتالي فهو يريد ايصال رسائل ربما يراها ردعية في مكان ما.
لكن المشكلة في هذا المنطق، لا تتصل بالحسابات المباشرة التي يعمل على اساسها الحريري ومن خلفه او من معه، بل في كون البلاد تبدو كأنها تناقش حلولاً لأزمة سياسية عنوانها الحكومة، فيما الواقع يشير الى ان الامر يتجاوز الملف الحكومي، وأن في لبنان والمنطقة والعالم من لم يسلم بعد بفشل محاولة الاستئثار والتحكم بالبلاد او الاستعانة بالخارج لفرض وقائع داخلية، كما يلفت معنيون الى ان البعض من فريق 14 آذار او الجهات الخارجية الداعمة له، تتحدث عن ان بديل الحريري سيكون الرئيس فؤاد السنيورة، وهذه النقطة لا تبدو محسومة لناحية انها ستسير بهدوء ومن دون مداخلات الامر الذي يعيد الجميع الى المربع الاول حيث النقاش المتصل بنتائج الانتخابات النيابية الاخيرة: هل صدق فريق 14 آذار انه ربح الانتخابات فعلاً، وهل يعتقد هؤلاء أن بمقدورهم استعادة وليد جنبلاط كما كان عليه الامر قبل 7 أيار، وهل يظن هذا الفريق أن بمقدور جنبلاط العودة الى هذه المواقع بعد كل الذي جرى معه وما جرى في البلاد والمنطقة؟


من غير المنطقي توقع ردود فعل علنية قريبة من جانب الحريري وحزب الله، لكن الامر لا يقتصر بالضرورة على هذين الفريقين رغم الموقع المحوري لكليهما محلياً وإقليمياً، فما يجري الآن مع العماد ميشال عون، بمشاركة قوى وجهات عدة محلية وخارجية، يمكن ان يتطور نحو الاسوأ إذا قرر احد ما في 14 آذار اعتبار المعركة مع عون معركة مصيرية، لأن بقية قوى المعارضة ولا سيما حزب الله، لا تقف على الحياد. وقد يكون الهدف من المعركة المتجددة الآن مع العماد عون هو استدراج حزب الله الى حيث لا يرغب. إلا ان الحزب ذكر مراراً وتكراراً، انه صاحب مصلحة في الهدوء والاستقرار، لكنه في اللحظة التي يشعر فيها بأن في الداخل من يريد تولي دور اسرائيل، فسيكون في موقع مختلف.
قبل مدة قال السيد حسن نصر الله لحشد من انصاره: من الآن فصاعداً، إذا اعتدى علينا أحد، فسنتصرف من موقع المظلوم القوي لا من موقع المظلوم الضعيف!