لينزل القنّاصة عن السطوح ! – راجح الخوري – النهار

في بلد مزّقته النزاعات والانقسامات والحروب، كان يفترض في السياسة ان تصير مسؤولية وطنية وأخلاقية. كذلك كان يفترض في كثير من السياسيين ان يكونوا بعيدين عن دونية الارتزاق السياسي وعن الغرق في رمال الضغائن والحقد والكيديات.
كان يفترض في السياسة ان تتحوّل تنافساً على الافضل والاجدى والانفع في الخدمة العامة، لا ان تبقى تسابقاً على القدح والذم والتراشق بالاتهامات والفبركات التي جعلت منها سوقاً للتعمية ومن الوطن ردهة للقباحات والتشويه.
ما قيل قبل الانتخابات وبعدها كثير وثقيل. وما قيل منذ شهرين تقريباً، اي منذ تسمية الرئيس المكلّف سعد الحريري تشكيل الحكومة، كثير وثقيل ايضاً وايضاً، فيه الصدق وفيه التضليل، فيه النيات الحسنة وفيه المقالب والمطبات السيئة. والخلاصة ان سياسة اليد الممدودة التي اعلنها الرئيس المكلّف والرغبة المبكرة في فتح صفحة جديدة من التعاون والتفاهم بين الجميع، وصلتا الى ما يشبه الحائط المسدود.
والحائط المسدود بالعراقيل والمطالب التعجيزية، لا يرمي الى محاولة إسقاط نتائج الانتخابات وحذف المفاعيل السياسية لنجاح الاكثرية فحسب، ولا الى سلب الرئيس المكلّف وهج انتصاره الانتخابي اولاً ودخوله نادي رؤساء الحكومات ثانياً، بل يرمي ايضاً في النهاية الى ابقاء قطار التعطيل على السكة اياها التي عرفها اللبنانيون منذ عام 2005، بما يعني في بساطة كلية استمرار المعادلة العجيبة الغريبة التي تقول:
الأقلية تفرض شروطها وتملي ارادتها عبر السلبية والقوة والفرض والتهديد والوعيد، والاكثرية تداري وتتلقى الاتهامات والصفعات وتعجز عن تطبيق منطق الديموقراطية البرلمانية الذي يعطيها حق الحكم ويترك للأقلية حق المعارضة. وفي النهاية يمكن بكثير من الواقعية التمعّن في واقع الشلل الذي يصيب البلاد والقول: الاقلية "تحكم" والاكثرية لا تقدر حتى على الاعتراض!

مهزلة؟
ربما اكثر. ولكن ابتسم انت في لبنان. لبنان الذي يتقلب على نار الاحاسيس الطائفية الدفينة، وعلى جمر الحساسيات المذهبية، وعلى طوفان من العقد والنرجسيات السياسية والارتزاق السياسي.
ابتسم لان لا مفر من وضع الاقنعة الضاحكة كي لا نصل الى ما هو ادهى مما نحن فيه. ابتسم لاننا وقد دخلنا شهر الصوم المبارك، نأمل بأن يحل رمضان فضيلة في عقول الكثيرين وان يهلّ هدوءاً وروية وحسن نية عند اولئك الذين يُغرقون البلاد في التعقيدات وفي اختراع المشاكل وذرّ رماد الاتهامات صبح مساء في العيون والعقول!




اذاً عود على بدء يوم التكليف. وشهران من التعطيل على ذمة مجهول. وهكذا ذهب الرئيس المكلّف في مناسبة دينية، تاركاً وراءه مناشدة واضحة للجميع تقوم على ثلاث ثوابت:
❑ أولاً: الاصرار على تشكيل حكومة وحدة وطنية تكون قادرة على العمل، بما يعني تجاوز كل ما قيل اخيراً عن حكومة اقطاب او عن تعويم حكومة تصريف الاعمال.
❑ ثانياً: الحرص على دعوة الجميع الى الابتعاد عن وتيرة التراشق بالاتهامات والى تبريد الاعصاب وترطيب الخطاب السياسي والابتعاد عن المماحكات التي تؤجج الوضع ولا طائل منها.
❑ ثالثاُ: الحرص على مواصلة مساعي الحوار في اطار من التكتم والهدوء سعياً وراء توسيع ما يجمع وتضييق ما يفرّق، بأمل الوصول سريعاً الى صيغة الحكومة العتيدة التي يمكن ان تولد غداً اذا استعصى على الخارج تدعيم شروط الداخل العرقوبية لقطع الطريق على التشكيل.
وهكذا وبكل بساطة يفترض ان تسلك عملية التشكيل طريقها الآن بعد استئناف مساعي الرئيس المكلّف سعد الحريري بالتعاون مع الرئيس ميشال سليمان، وسط جو أقل تشنجاً وتعقيداً. فالمطلوب بعد الاتفاق على الصيغة السياسية للحكومة اي 15 + 10 + 5، ان يأخذ الكلام معناه لا ان يذهب مذهب التحريف والتأويل لنية في نفس "اليعاقبة".
كيف؟
لقد دعا الحريري الى حكومة وحدة وطنية متجاوزاً حق الاكثرية في الحكم لانه يعرف ان الوضع في البلاد يتطلب توسيع رقعة الوفاق والتفاهم، وتعميم روح الثقة والتعاون، وخصوصاً بعد الازمات السياسية والامنية التي واجهها لبنان. وخصوصاً ايضاً في مواجهة التهديدات الاسرائيلية المتصاعدة والتحديات الاقتصادية والمعيشية، وتلك التي يمكن ان تحملها الينا خطة الرئيس باراك اوباما للتسوية الشاملة في المنطقة.
وزيادة في تسهيل عملية التشكيل وخلق مناخ حاضن للتفاهم والوفاق والثقة، قال ان من حق الكتل اقتراح الاسماء للحكومة الجديدة، بمعنى ان الكتل تقترح اسماً او اسماء عدة كما تقضي الاعراف واللياقات، بحيث يكون للرئيس المكلّف ان يسمي الوزراء بالتشاور مع رئيس الجمهورية كما ينص الدستور.
لقد جرت محاولات فظّة لتحميل كلام حسن النية هذا ما لا يحمل. فقيل ان الحريري هو الذي أناط بالكتل تسمية وزرائها في الحكومة، وهذا تحريف وتزوير، لأن دعوته الكتل الى تقديم الأسماء تأتي في اطار الاستمزاج الذي تقتضيه الاصول والنية في ترسيخ التوافق وليس في اطار التخلي عن الصلاحية الدستورية التي اعطيت له وهو في الاساس ليس صندوقاً تودع فيه الأسماء!

ان المسألة الآن، بعد مضي شهرين من العرقلة والشروط العرقوبية والمبالغة في المطالب للحصول على حصة اكبر من "الكعكة الحكومية"، لم تعد تتحمل هذا الاسلوب في التعطيل. واذا كان سعد الحريري أراد أن يهلّ رمضان هدوءاً وروية وفضيلة على السياسيين وعلى وتيرة العمل السياسي، كمنطلق لتشكيل حكومة تكون قاعدة انطلاق العمل الوطني المسؤول في مواجهة التحديات والاستحقاقات، فإن المطلوب من القنّاصة السياسيين النزول عن سطوحهم العالية، فقد كشفتهم عيون اللبنانيين المفعمة بالازدراء!