حكومة كل الحسابات إلا الحساب اللبناني؟ – رفيق خوري – الأنوار

لبنان ينتقل من موسم الصمت الى موسم الخطابة. لا بتبدل ما فرض الصمت على طباخي الحكومة بل بقوة ما صار من تقاليدنا الثابتة في الموائد الرمضانية. إذ لكل مائدة إفطار خطيب وخطاب. والصوم عن الطعام ينهي الصوم عن الكلام. ومن الآن الى عيد الفطر السعيد، فإن التركيبة السياسية ستسجل ما لا حصر له من الخطب التي تبدأ بما هو روحاني وما يتذكر الفقراء ويذكّر بالرحمة لهم وتنتهي كالعادة بما هو سياسي على مستوى لبنان والمنطقة والعالم. لكن ما سنسمعه يومياً ليس ضماناً لأن نعرف، بالوقائع، ما الذي يعرقل تأليف الحكومة. ولا هو بالطبع البديل من الواجب الوطني والسياسي الذي يحتم على الجميع إعطاء كل الجهد والوقت لعملية الحوار والتشاور وصولاً الى تأليف الحكومة.

ذلك أن ما سماه الرئيس نبيه بري (حزب الصائمين) الذي توسع وشمل عدداً من الزعماء لم يشمل أنصار هؤلاء. وما نسمعه منهم هو مباريات في تصور الخيوط الداخلية والخارجية التي تصنع عقدة الحكومة، والخطوط الإقليمية والدولية المفتوحة على الوطن الصغير، والمواعيد والأحداث والتطورات التي يجب أن ننتظرها قبل أن نفكر في وضع الطبخة الحكومية على النار. فأصابع الاتهام لدى فريق موجهة الى أميركا ومصر وحلفائهما في الداخل، من دون تجاهل تهديدات نتنياهو. وهي لدى فريق آخر موجهة نحو ايران وسوريا وحلفائهما في الداخل، مع كثير من التبصير حول ما حدث ويحدث على الخط السوري – السعودي.
أكثر من ذلك، فإن ما يحيّر هو المواقف الحائرة حيال المواعيد والملفات التي يُقال إننا مرتبطون بها. من مهمة جورج ميتشل وموعد الخطة المفترضة للتسوية لدى ادارة الرئيس أوباما الى الجواب الايراني المنتظر عن عرض الحوار حول الملف النووي. ومن المصالحة المتعثرة بين فتح وحماس الى معركة الجيش اليمني مع (الحوثيين) على مقربة من الحدود السعودية، وصولاً الى التطورات في العراق والباكستان وأفغانستان.
وعلى افتراض أن ذلك كله صحيح، وهو ليس كذلك، فما الذي يقدمه أو يؤخره بالنسبة الى هذه الأمور وجود أو عدم وجود حكومة في لبنان? لماذا نعطي الأولوية لكل الحسابات باستثناء الحساب اللبناني. ولماذا يجب أن نواجه التحديات بالبقاء في العراء من دون حكومة، في حين تعمل الأطراف الخارجية لمصالحها وتقوي أوضاعها الداخلية وأوراقها الخارجية?
شيء من الواقعية أيها السادة. فلا لبنان مركز الكون. ولا نحن نؤلف أكثر من حكومة (بلدية)، وإن توهمنا أنها حكومة كونية