صناعة السجاد والعرقنة – غسان شربل – الحياة

غداً يرحل المصطافون. يحزمون حقائبهم وضحكاتهم وذكرياتهم ويغادرون. وحين يفعلون يهجم الخريف. يعرّي الأشجار من فساتينها. والسماء من زرقتها. والمعجزة اللبنانية من ورقة التين.

غداً يرحلون. يتركون لبنان للبنانيين. وهذا فظيع. يكتشف اللبنانيون أنهم وحدهم. سجناء في خريطة صغيرة. يتصاعد القلق في مضارب الطوائف والمذاهب. هذه الأرض الجميلة فرصة مفتوحة للاشتباك. انتهت هدنة الصيف وعلى اللبنانيين العودة الى مزاولة عيشهم العادي. العودة الى الاشتباك.




المصطافون قساة القلوب. يأتون ويرحلون. يملكون جوازات سفر تصلح وسادة للطمأنينة. يعودون الى أوطانهم. وينامون في دولهم. ولديهم هناك شرطي يجرؤ على اعتقال مرتكب. ومحكمة تفصل في النزاعات. لديهم خيمة استقرار على أقل. يمكنهم التخطيط للشهر المقبل أو السنة المقبلة. للأبناء وشهاداتهم وأعمالهم. كنا نأخذ عليهم افتقار بلدانهم الى الحيوية اللبنانية. نهنئهم اليوم على هذا الافتقار. نحسدهم على حظهم.

تمنيت لو يطل الرئيس ميشال سليمان في رسالة استثنائية. رسالة يوجهها الى المصطافين يناشدهم فيها تمديد الإقامة في ربوعنا. إنهم عامل إنعاش. واستقرار. وطمأنينة. انهم قوات فصل راقية وودية وحضارية. تراجعت عن الفكرة. ليست واقعية. للمصطافين في دولهم أعمال يتابعونها. ثم من يضمن أن لا يطل علينا سياسي نابه يتهمنا بالترويج للتوطين. انها مهنة جديدة ممتعة. تغطي تفريطك بالوطن بمهاجمة التوطين. أعوذ بالله.

عجقة المصطافين تعفي اللبناني، ولو موقتاً، من التفكير في أحواله. وهي فظيعة ومريعة. شعرت بخجل عظيم حين طمأنني السياسي. لا تقلق. تذكر السنوات الماضية. هذا بلد استثنائي. يستطيع العيش بلا رئيس للجمهورية. شغر القصر أكثر من مرة. يستطيع العيش بلا حكومة. وفي ظل حكومتين. ويستطيع العيش في ظل مجلس نيابي مصاب بغيبوبة قسرية طويلة. وفي ظل حروب أهلية صغيرة جوالة.

ابتسم السياسي. قصتنا طويلة. لا بد من الانتظار. علينا انتظار دخول العلاقات السعودية – السورية في التفاصيل. ولا بد من الالتفات الى إيران. لا يجوز عزلها ولا يمكن تجاهلها. ولإشراك إيران في حياكة السجادة الحكومية لا بد من الالتفات الى ملفها النووي. وفرص الحوار بين أحمدي نجاد وأوباما. ومستقبل الوضع في العراق. وهنا ندخل في ملف الحوثيين وهو شائك. ولا يصح تجاهل مصر. والمصالحة الفلسطينية – الفلسطينية. والتوتر السني – الشيعي في الإقليم. والدور التركي وبصمات أحمد داود أوغلو. والظنون المتعلقة بالقرار الظني.

شعرت بالخوف. استنتجت من كلامه أن تشكيل الحكومة قد يستغرق دهراً لا شهراً. وأن على سعد الحريري أن يخضع لدورة قاسية في صناعة السجاد. مع كل ما تعنيه من صبر وتصميم وبراعة في ملاطفة الخيوط المحلية والإقليمية واستدراجها وضبط العقد وتنظيم إقامتها جنباً الى جنب.

لا أقر الحملة التي تستهدف الوزير جبران باسيل وتصوره كأنه العقدة التي تمنع إخراج السجادة الحكومية الى الضوء. لا أعرف هذا الشاب اللذيذ الطموح. استهدافه لأنه صهر الجمهورية الثالثة غير مقبول. التذرع برسوبه في الانتخابات لاستبعاده موقف تقشعر له الأبدان. موقف كيدي وثأري من شاب لا يطالب بأكثر من أن يتحول قطباً في السجادة اللبنانية. وزّروه. لقد سرقتم قصر الرئاسة من الجنرال وأعطيتموه لجنرال ولا يجوز لكم سرقة حقيبة الاتصالات من صهره.

أكتب عن رحيل المصطافين من بيروت وعيني على بغداد. قبل عامين أحبط الجيش اللبناني في معركة نهر البارد هبوب رياح العرقنة على لبنان. منع ولادة السجادة الحكومية يعيد فتح لبنان أمام رياح العرقنة. وأتمنى أن أكون مخطئاً