هل يصح الرهان على تغيير سوري مع لبنان ؟ – علي حماده – النهار

أقرت العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا بعد طول انتظار دام اكثر من ستة عقود. وافرج السوريون ومعهم الايرانيون عن رئاسة الجمهورية بعد تعليقها أكثر من ستة اشهر، واقر "اتفاق الدوحة" الذي افرغ جزءا من "إتفاق الطائف" من محتواه وروحيته بإعطائه حزبا مسلحا في البلاد حق النقض "الفيتو" على كل الحياة السياسية بدءا بالمؤسسات الدستورية وانتهاء بالحياة التفصيلية للبنانيين. والحق ان الحزب المسلح المشار اليه انتزع هذا "الفيتو" عنوة وولَّد في ما ولَّد من جراء سلوكياته في السنوات الاربع التي سبقت، مناخ حرب اهلية كامنة نعتقد انها معلقة التنفيذ بقرار خارجي وليس بقرار لبناني داخلي. وقد يكون هذا الواقع سبباً رئيسياً من اسباب انتقال زعيم الطائفة الدرزية وليد جنبلاط الى "منزلة بين منزلتين"!


لبى النظام في سوريا دفتر شروط دولياً في لبنان، لكنه نفذه على طريقته بأن اعطى في الشكل ولم يعط في المضمون. فالعلاقات الديبلوماسية الرسمية بين البلدين تكاد تكون جانبا تافها في العلاقات التي يديرها النظام في لبنان، اما مباشرة من مكاتب المسؤولين المخابراتيين في دمشق، وإما من خلال شخصيات لبنانية يراد عبر نفخها بأدوار في الوسط السياسي اللبناني تتفيه الحياة السياسية اللبنانية، وخصوصا اشخاصها الذين يساهمون باستسلامهم لوهم "عودة سوريا" في كسر مناعة المواطن اللبناني المتفوق على قادته بمعايير الصمود والصبر والنفس الطويل في مقاومة الفاشية المسلحة الداخلية من جهة، ومنع عودة الوصاية الخارجية على النحو الذي يعالج "عقدة لبنان" المتجذرة.
وإذا كان السفير السوري في لبنان شبحاً برتبة سفير، فهذا لا يعني ان السياسة السورية معطلة. فنسج علاقات جديدة مع القوى الطائفية مباشرة، واستمرار البيع في الملف اللبناني، ورفض تلبية مطالب لبنان المزمنة بترسيم الحدود بدءا من مزارع شبعا، واغلاق القواعد العسكرية للمنظمات الفلسطينية التابعة للنظام في سوريا، والتدخل المباشر في عملية تأليف الحكومة اللبنانية عبر المساهمة في تعطيل التشكيل  بإنتظار تلبية العاهل السعودي دعوة رسمية الى دمشق، فضلا عن التعاون الوثيق مع طهران التي ترد ايضا في لبنان على حرب الحكومة اليمنية ضد الحوثيين، كل هذه العوامل تشي بأن المقاربة السورية للعلاقات مع لبنان لم تتغير في العمق،  وتكاد لا تتغير حتى في الشكل. إذ ان المطلوب من لبنان تبعية في مقابل سلامه الداخلي. والمؤسف ان يكون لبنانيون جسورا يحاول السوريون العبور فوقها للعودة الى ممارسة وصاية متجددة.





يقودنا ما تقدم الى الاستنتاج أن العقل السوري لم يتغير ولن يتغير. فهو لا يبتعد عن ايران كما يعلل النفس بعض الاوروبيين البسطاء في فهمهم الشرق المعقد. وهو لم يتحرر من "عقدة لبنان" ولن يتحرر يوما. كما لم يتغير في الداخل حتى يتغير حقيقة مع الخارج. فالحريات العامة في سوريا على حالها شأنها في ذلك شأن الفساد الرسمي، والتخلف العلمي  والثقافي. والقلة تتحكم في الكثرة. بإزاء هذا الواقع، ليس امام الاستقلاليين اللبنانيين سوى مواصلة الصمود والصبر لأن مظاهر الصخب التي شهدها  صيف لبنان ما كانت سوى وهم سرعان ما سيتلاشى متى همس بعض الخارج في اذن بعض الداخل بإطلاق "الشياطين في الشوارع"!