بيت المنازل الكثيرة – احمد عياش – النهار

النبأ السار هذا الاسبوع هو عودة جميع قادة 14 آذار اليه بعدما اعترتهم التفرقة الى حين. والعبرة في هذه العودة، بعد العبرة في التفرقة، ان الخروج من بيت "ثورة الأرز" أياً  تكن المكاسب التي تغري به ستكون له أكلاف وفي مقدمها، كما بان وانقشع في الاسابيع القليلة الماضية، ان قامة الوزير السابق وئام وهاب هي القياس الذي سيقاس به كل خارج من هذا البيت مهما يكن مقاسه قبل هذا الخروج. وليس سراً  ان يقال ان النظام السوري لا يزال يعتمد نسخة عام 1989 التي شهدت ولادة اتفاق الطائف وايضاً ولادة حقبة الوصاية المعززة بالمشاركة السورية في حرب الخليج الاميركية عام 1990 حيث كانت المكافأة لهذا النظام التسليم له بامساكه بلبنان طوال 15 عاماً انتهت عام 2005 باستشهاد الرئيس رفيق الحريري، وولادة الثورة الأعظم في تاريخ لبنان يوم 14 آذار من ذلك العام. ففي نسخة عام 1990 التي طرأ عليها تحديث قليل كان الضابط رستم غزالي بوابة عبور الى العاصمة السورية ثم تعديل اصبح معه وهاب هو البوابة.


بيت 14 آذار فيه منازل كثيرة. ولذا هذا التنوع وهذا الاختلاف الذي يصل الى حافة الافتراق. ولأنه هكذا فهو يعتبر بيت لبنان الذي عرفته اجيال كثيرة قبل أن يكون احياء هذا الزمن قد ولدوا. انه الوريث الشرعي لاستقلال 1943 الذي انهار عام 1975، ووريث اتفاق الطائف الذي لا يزال في طور الخروج من حقبة الوصاية السورية التي أوصلت الى لبنان تحت عباءتها الطموحات الايرانية. لكنه في الوقت نفسه بيت الحسابات الاقليمية والدولية التي لم ولن تقفل نوافذها ابداً. فاسرائيل على التخوم تخلق الاضطرابات منذ نشوئها عام 1948. والعالم العربي على مقربة ينسجم ويتخاصم اذا ما لاحت فرصة على الارض اللبنانية. والغرب لن يتأخر ابداً اذا ما رأى ان مصالحه ستستفيد من المسرح اللبناني في ازدهاره او انهياره. ولذلك فإن بيت 14 آذار هو ايضاً بيت من هم الآن في منازل الخصومة وتحديداً "حزب الله" والعماد ميشال عون، حتى وإن أبوا. فما يبدو ظاهراً ليس كما هو باطناً. والمقاس السوري يسري ايضاً على السيد حسن نصرالله وعون اذا ما تجرأ الاثنان على اختيار مسار مستقل. والشواهد كثيرة لمن يريدها.





عودة جميع قادة 14 آذار الى بيتهم هي العودة الى الطريق السريع نحو خلاص لبنان من حقبة تتآكل مهما بدت عليها مظاهر القوة. وما شهده هذا الصيف من تدفق عجيب من العالم على لبنان يثبت ان الايمان به أقوى من كل المحن التي مرت وتمر بالبلد. ويعيد هذا الى الذاكرة ما قاله نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام في مؤتمر الحوار بلوزان في 13 آذار 1984: "لبنان بلد صغير وبلد فقير. ومع ذلك لو رحنا نسأل عن شخص لبناني وين موجود وفاتح بيت بباريس والثاني بلندن والثالث بالبلد الفلاني، يا أخي منين بتجيبوا فلوس؟". يستطيع خدام الذي اصبح الآن نائب الرئيس السوري السابق، بعد خروجه من "جنة" الحكم ولجوئه الى أوروبا، أن يقدم جواباً اليوم بعد ربع قرن على هذا الكلام. واللبنانيون لهم ايضاً جواب من تجارب عريقة يفيد أن الحرية متى اقترنت بالكيان تصنع العجائب. لكن الطريق الى الحرية مزروع دوماً بالاشواك في منطقة تعتبر الحرية وباء يجب القضاء عليه. لكن "هذا البلد الصغير والفقير" كما قال خدام لا يزال حتى اليوم يوفّر فرص الرزق الحلال لمئات الالوف من السوريين الذين لا رزق لهم ولا حرية في بلدهم.


لينتبه سكان جميع منازل لبنان الى انهم في مرمى من يعتبرون حريته وباء. فهؤلاء يجربون اليوم مبيداتهم في حكومة الوحدة الوطنية التي سيكون لممثل بيت 14 آذار شرف قيادتها الى شاطئ الأمان.