ما المطلوب من أوروبا وروسيا دعماً للعدالة؟ – راغدة درغام – الحياة

بإمكان روسيا وفرنسا وبريطانيا وبقية الدول الأوروبية أن تفعل اكثر مما تقوم به الآن لدفع الفلسطينيين والاسرائيليين الى تنفيذ التزاماتها بموجب «خريطة الطريق» لـ «حل الدولتين» الذي دعمته هذه الدول في قرارات مجلس الأمن وفي اطار «اللجنة الرباعية» للسلام في الشرق الأوسط. فلا يكفي التعبير عن الدعم لجهود الرئيس الأميركي باراك أوباما وانتظار مبادرة منه عندما يخاطب الجمعية العامة للأمم المتحدة الشهر المقبل. ان ما من شأنه ان يشكل حقاً دعماً لجهود الرئيس الأميركي هو قيام روسيا وفرنسا وبريطانيا والاتحاد الأوروبي والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بديبلوماسية ضغط علنية بموازاة الديبلوماسية الأميركية العلنية منها وتلك التي وراء الكواليس.

تركيا التي تحسن ديبلوماسية المفاوضات السرية بين سورية واسرائيل مطالبة اليوم ان تضع المسار الفلسطيني في طليعة صنع السلام لأنه يبقى لب النزاع العربي – الاسرائيلي. ولذلك على تركيا ان توظف عضويتها في مجلس الأمن للعمل نحو استصدار قرار ملزم لكل من اسرائيل والسلطة الفلسطينية يهدد بعقوبات بموجب الفصل السابع من الميثاق اذا استمر احدهما بانتهاك القانون الدولي وبرفض حل الدولتين على أساس انهاء الاحتلال والقبول بالآخر جاراً في حدود آمنة. على الأمين العام ان يتوقف عن الافراط في اللغة الديبلوماسية اللطيفة مع اولئك الذين يرتكبون جرائم حرب ويضربون القانون الدولي بعرض الحائط – فلسطينيين كانوا أو اسرائيليين- وأن يدين أية تجاوزات. فهذه مسؤوليته الاخلاقية بصفته أمين المنظمة الدولية. أما ادارة باراك أوباما فإنها في خطر قيام الحكومة الاسرائيلية بمساعدة من الكونغرس الأميركي بسحب البساط من تحت عزمها على تنفيذ تعهداتها بالدفع نحو حل النزاع الفلسطيني- الاسرائيلي، وبالتالي تفقد وزنها وصدقيتها على الساحة الدولية. وهنا تأتي مسؤولية الرأي العام الأميركي. فهذا الرأي العام بقي متردداً في مواجهة المحافظين الجدد عندما ارتهنوا الرئيس جورج دبليو بوش وقادوا الولايات المتحدة الى حرب العراق التي يستفيق الرأي العام الأميركي اليوم ليعارضها نادماً وغاضباً. واليوم، ان الرأي العام الأميركي يجازف بارتكاب خطأ أكبر اذا رفض الالتفاف حول رئيسه الذي اوضح ان معالجة النزاع العربي – الاسرائيلي هو من المصلحة الوطنية الأميركية. الرأي العام الاسرائيلي التف بمعظمه، حول رئيس حكومته بنيامين نتانياهو ودعمه في مواجهة وتحدي ورفض طلب الرئيس الأميركي ايقاف المستوطنات غير الشرعية اساساً والمنافية للقانون الدولي، وقد حان للرأي العام الأميركي ان يستفيق ويتعلم من دروس الماضي وان يكف عن الخوف من التحدث عن اسرائيل حتى وان كانت تجاوزاتها تضرب صميم الأمن القومي الأميركي.




أسلوب التدريجية الذي تتبناه الادارة الأميركية لتحريك أطراف النزاع العربي – الاسرائيلي نحو السلام تعرض الى نكسة جذرية ناتجة عن التجزئة والجزئية. واولى المحطات التي ابرزت هشاشة التدريجية كان في رفض الحكومة الاسرائيلية تجميد النشاطات الاستيطانية ثم التقدم ببدعة اخرى لنتانياهو الموافقة على وقف استدراج عروض لتوسيع مستوطنات الضفة الغربية. فلقد جزّأ نتانياهو التدريجية وحول اسلوبها الى اسلوب الجزئية.

الرئيس المصري حسني مبارك على حق بقوله إنه من الخطأ تأجيل المفاوضات الصعبة الى وقت لاحق في سياق العملية التفاوضية بل تجب مواجهة هذه المسائل الصعبة منذ البداية. والمسائل الصعبة هي القدس والحدود واللاجئين والترتيبات الأمنية.

بكلام آخر، ان الحذاقة الاسرائيلية وحسن نتانياهو فن الممانعة وفن التملص من الاستحقاقات ببدعة تلو الأخرى يهدد اطروحات السلام التي اعتمدتها الولايات المتحدة والتي تلقى اجماعاً دولياً. وانسياق الكونغرس الأميركي وراء لوبي «ايباك» جعل حتى زعيم الأكثرية في الكونغرس، ستاني هوير وهو ديموقراطي من ميريلاند وهو حليف لأوباما يقوم بزيارة اسرائيل ضيفاً لمنظمة «ايباك» ويقول ان على الرئيس الفلسطيني محمود عباس اجراء محادثات ومفاوضات بلا شروط مع اسرائيل بغض النظر ان لبت، أو لم تلب، طلب تجميد الاستيطان الذي طرحه باراك أوباما. بل اكثر من ذلك، تحدث هوير عن قدس «كاملة» عاصمة لاسرائيل على رغم ان حليفه الرئيس أوباما قلق من استمرار بناء المستوطنات الاسرائيلية غير الشرعية في القدس الشرقية مما يتهود القدس ويحكم مسبقاً على مصيرها في المفاوضات على الوضع النهائي.

قوات الأمن الاسرائيلية طردت قسرياً عائلات فلسطينية من بيوتها في القدس وسلمتها الى منظمات استيطان، وكل ما لاقته هو التعبير عن القلق. رئيس مجلس الامن للشهر الجاري السفير البريطاني جان سويدز تجنب في مؤتمر صحافي حتى التنديد بهذه الاجراءات على رغم انها تتنافى مع القانون الدولي والقانون الانساني الدولي. مساعد الأمين العام للامم المتحدة عرض في احاطة امام مجلس الامن هذه الخروقات معرباً عن «القلق البالغ» بلا ادانة أو مطالبة جدية بالعودة عن هذه التجاوزات.

ان تردد امثال رئيس مجلس الامن والامين العام للامم المتحدة في استخدام لغة صارمة وواضحة وقوية ضد التجاوزات والانتهاكات الاسرائيلية للقانون الدولي – بالاستيطان وبالجدار الفاصل وبقضم الاراضي الفلسطينية وبالحصار المفروض على غزة وبالطرد القسري وبشن الحملات على أية منظمات انسانية تجرؤ على انتقاد ارتكابها جرائم حرب، هذا التردد هو الذي يساعد في حماية اسرائيل من المحاسبة. وللتأكيد، ان أي طرف فلسطيني أو عربي يرتكب اعمالاً مشابهة يجب أيضاً ان يلاقي الادانة والمحاسبة والعقوبات. فلقد حان الوقت لتطبيق مبدأ عدم الافلات من العقاب على الجميع بلا استثناء. واسرائيل ليست فوق القانون مهما تخيل للبعض انها قادرة على التملص من المحاسبة.

من المهم للمنظمات الدولية ان تتصرف على اساس قواعد العزل والانخراط مع الدول التي تنتهك القوانين وتدوسها. ولذلك، انه لأمر مدهش ان توجه مساعدة الامين العام ومستشارته الخاصة المعنية بمسائل المرأة راشيل مايانجا، دعوة مشتركة مع مديرة مركز غولدا مايير للتدريب مازال رنفورد، الى مؤتمر في حيفا في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل «اعترافاً بالحاجة الماسة لمراجعة اثر الأزمة الاقتصادية على النساء».

لعل السيدة راشيل مايانجا غير دارية بأثر سياسة الاغلاق والحصار الاسرائيلي على نساء غزة ولعلها لا تفهم اثر عقد مؤتمر كهذا في اسرائيل على الحكومة الاسرائيلية التي تشرد النساء والاطفال وتطلق النار على النساء وهن يرفعن الاعلام البيض كما اكد تقرير لـ «هيومان رايتس واتش» شنت اسرائيل حملة شعواء ضد المنظمة بسببه. هذه السيدة الافريقية نسيت كيف قامت النساء الافريقيات بالاحتجاج والرفض لعقد المؤتمرات في جنوب افريقيا عندما كانت تمارس التفرقة العنصرية والتمييز العنصري. لعلها لم تقرأ حتى تقريراً واحداً لرئيس الدائرة الانسانية وكيل الامين العام للشؤون الانسانية جان هولمز لتتعرف على اثر الاحتلال والغزو والحصار على المرأة الفلسطينية.

بان كي مون يعرف، ولذلك الاجدى به الايعاز الى مستشارته الخاصة لشؤون المرأة عن معنى ووطأة وأثر توقيعها على تلك الدعوة المشتركة والى وكيلته المعنية بوضع الاطفال في النزاعات التي تتحدث بجرأة اكبر في اوضاع الطفل الفلسطيني تحت الاحتلال، والى الناطقة باسمه ان تدين بلغة قوية انتهاكات القانون الدولي وارتكاب جرائم الحرب عندما تكون اسرائيلية. الاجدى به ان يغضب مرة اخرى كما فعل في ايار (مايو) الماضي في خطابه في مجلس الامن وان يتحدى اسرائيل الى صنع السلام بجدية والتوقف عن الافتراض ان الاعفاء من المحاسبة سياسة دولية.

في تلك الجلسة لمجلس الامن التي دعت اليها روسيا وعقدت على مستوى وزاري وترأسها وزير الخارجية سيرغي لافروف، حدث تغيير اساسي في طريقة تعامل مجلس الامن مع النزاع الفلسطيني – الاسرائيلي. صدر بيان رئاسي في الجلسة الوزارية اكد على «التزام» مجلس الامن بلوغ هدف قيام الدولتين – فلسطين بجانب اسرائيل. السفيرة الأميركية برتبة وزيرة سوزان رايس، خاطبت اسرائيل بلغة المطالبة والاصرار على حق التدخل الدولي من اجل تنفيذ التعهد بحل الدولتين وخاطبت اعضاء مجلس الامن مباشرة لتقول: «نحن نطلب منكم جميعاً ان تقفوا معنا، ان نقف سوية مع سلام دائم»، مؤكدة ان الولايات المتحدة جاهزة لشراكة دولية وراضية بدور دولي فعال.

ما صدر عن تلك الجلسة هو رسالة اجماع الاسرة الدولية على التدخل المباشر لها من اجل انجاح حل الدولتين على اساس الاجماع الدولي. ولذلك، ان مسؤولية انتزاع الالتزام القاطع من اسرائيل بأنها تعتزم تجميد الاستيطان كاملاً بما في ذلك في القدس ليس فقط مسؤولية باراك أوباما وانما هي مسؤولية روسية وأوروبية. وهذا على أي حال لا يكفي.

ان ما يجب على روسيا والاتحاد الاوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة اعضاء «اللجنة الرباعية» ان يفعلوه هو التهيئة الصحيحة لما هو متوقع من الرئيس اوباما ان يتقدم به كخطة سلام تركز على المسار الفلسطيني. هذا يتطلب وضع الاسس الصارمة للنهج المتدرج من خلال التمييز بين الاجراءات الاولية المعنية بالاستيطان وبين اطلاق خطة السلام بمواعيد زمنية محددة لخطوات يتم تعريفها بكل دقة لتنفيذها بمراقبة وبمحاسبة.

بالطبع ان الضمانات الاميركية هي المطلوبة بالدرجة الاولى وفي نهاية المطاف. انما هذا لا يعني استرخاء روسيا واوروبا الى حين انتهاء «المواجهة» الأميركية – الاسرائيلية. ان واجب روسيا واوروبا هو العكس تماماً اذ انهما طرفان في «اللجنة الرباعية» وعليهما دعم الضمانات الاميركية بالعمل نحو اصدار قرار في مجلس الامن ينص على انهاء الاحتلال وقيام الدولتين – قرار ملزم لاسرائيل وفلسطين ولجميع الدول العربية. هكذا يمكن لاوروبا التمهيد للخطوة الاميركية الضرورية بالجرأة المطلوبة والتي تغيبت اوروبا عن ممارستها محتمية وراء ذرائع واعذار. وهذا ما يجب على روسيا القيام بها لانها لطالما زعمت ان دورها مميز في القضية الفلسطينية وفي المنطقة العربية ومؤتمر موسكو ليس كافياً لأن موعده لاحقاً ولم يحدد بعد.

ان الخطة الأميركية المنتظرة تتطلب مبادرة دولية جريئة في مجلس الامن ومن قبل الامانة العامة للامم المتحدة. اما التطبيع العربي مع اسرائيل فإن اجراءاته جاهزة وهو بالتأكيد آتٍ حالما تكف اسرائيل عن الاعتقاد ان بالامكان اقامة «علاقات سلمية وتطبيع مع العرب من دون حل القضية الفلسطينية.

وما يجدر بالدول العربية التفكير به في هذا المنطق هو كيفية تشجيع الجهود الاميركية والدولية وتجنب مواقف تجعلهم موقع اللوم الذي يعده لهم اللوبي الاسرائيلي عبر الكونغرس الاميركي المطيع. على العرب ان يفكروا بطرح تفاصيل الاجراءات التطبيعية التي هم على استعداد للقيام بها شرط ربطها بتدريجية المواعيد الزمنية لخطوات اسرائيل نحو الحل النهائي وشرط تلقي ضمانات اميركية ودولية علنية بانهاء الاحتلال وتنفيذ تام وكامل لخريطة الطريق الى قيام الدولة الفلسطينية