رمضان… آخر معارك المسيحيين ؟ – ادمون صعب – النهار

في قمة نظامنا السياسي، يجلس الرئيس. وخلافاً للمعتقد السائد، ومهما كثر الضغط الاقليمي، لا تزال الرئاسة الاولى تتمتع بمقدار لا يستهان به من المسؤولية عن مستقبل لبنان".
شبلي الملاط
(في "الرئاسة اللبنانية بين الامس واليوم")

يتصل مراسل لوكالة انباء دولية كبرى سائلا اذا كان في الامكان القول ان نجاح المسعى السوري لدى السلطات الايرانية لاطلاق الجامعية الفرنسية كلوتيلد ريس من السجن في طهران بعد اتهامها بالمشاركة في التظاهرات التي أعقِبت اعلان نتائج الانتخابات الرئاسية في ايران في 12 حزيران الماضي – يمكن اعتباره تعزيزا للنفوذ السوري في لبنان، وخصوصا بعدما شكر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي "للدول الصديقة مثل سوريا" المساعدة التي قدمتها من اجل تخلية المعتقلة الفرنسية بكفالة، ومعاملتها معاملة حسنة.
فنجيبه ان سوريا تحاول الافادة من كل فرصة من اجل ان تظهر للرأي العام الخارجي انها "دولة مساعدة" وليست "دولة معرقلة". والدهاء السوري ليس جديدا، فهو موروث من ايام معاوية ويزيد. وقد استغلت دمشق، كما نذكر جميعا، انتصار المقاومة في حرب تموز وسجلته في خانتها، كما سايرت فرنسا ساركوزي باقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان، في ما يمكن اعتباره من جانب فرنسا انجازا تاريخيا.
يضاف الى ذلك الرضى الفرنسي عن دعم دمشق اجراءات انتخابات نيابية حرة ونزيهة في 7 حزيران الماضي، وتعهد عدم التدخل فيها. وقد اعتبرت باريس ان دمشق قد برت بوعدها.
وسأل المراسل: أليست سوريا هي التي افادت من الانتخابات، وان لم تفز المعارضة بالاكثرية فيها، عبر الثناء الذي اغدقته فرنسا عليها، ثم بالاستدارة في اتجاهها – اي دمشق – التي قام بها الزعيم الدرزي النائب وليد جنبلاط واعلان خروجه من قوى 14 آذار، الامر الذي افقد الاكثرية عنصرا قياديا مهما، واتاح لسوريا المزيد من النفوذ الى درجة ان بعض الاعلام ردّد ان نجاح الوساطة السورية مع طهران لاطلاق السجينة الفرنسية، قد يكون مقدمة لوساطة سورية بين طهران واوروبا حول الملف النووي الايراني، وربما لاحقا بين طهران وواشنطن.
واستطرد المراسل: الا يعتبر هذا الدور المتجدد لسوريا، والمبارك فرنسيا والى حد ما اوروبيا، وكذلك اميركيا بعد زيارة الوفد العسكري الاميركي لدمشق الاسبوع الماضي، وهو يزورها للمرة الثانية، من اجل البحث في الامن الاقليمي وتحديدا في امن الحدود مع العراق، وفي التعاون الامني والاستخباراتي بين الاجهزة الاميركية المعنية والاجهزة السورية الموازية لها – لا يعتبر هذا الدور "عبوراً" الى لبنان من شأنه المساعدة في حل العقدة الاساسية التي يواجهها لبنان حاليا، واعني بها تأليف حكومة وحدة وطنية يشارك فيها حلفاء سوريا واخصامها ويكون فيها النفوذ الاساسي لهؤلاء الحلفاء؟ فكان الجواب: لقد اساء اللبنانيون التصرف خلال الانتخابات وبعدها. ولقد كان مفترضا في سياسييهم، اذا كانوا حقا حرصاء على التعبير عن نتائج الانتخابات، ان يبادروا الى اقامة مصالحات من النوع الذي قام بها الشيعة والدروز وانحصر فيهم الى الآن.
واذ تركنا للمراسل استنتاج ما يشاء، تساءلنا عن مغزى الكلام المتكرر، وخصوصا من جانب الاكثرية، بوجوب جعل الحكومة الجديدة تعبيرا عن نتائج الانتخابات من دون ان يُقال لنا كيف؟ وان تحترم في التأليف الاصول الدستورية، على اساس ان ما يطرحه رئيس "كتلة التغيير والاصلاح" النائب العماد ميشال عون من مطالبة بحقيبة سيادية، اضافة الى توزير صهره الخاسر في الانتخابات النيابية جبران باسيل، مخالف للدستور.





وقد لاحظت "كتلة المستقبل" التي يرأسها النائب سعد الحريري، ان في "السجال الدائر (بين "المستقبل" والعماد عون) تعرضا لمبادئ رئيسية في الدستور الذي تعتبره الكتلة الضامن الحقيقي والوحيد لاجتماع اللبنانيين وطنيا، وخصوصا ما يتعلق بصلاحيات كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان والرئيس المكلف سعد الحريري وتفاهمهما على تشكيل الحكومة وفقا للنص الدستوري".
ويتساءل المراقبون: هل تعتبر الصيغة المطروحة لتأليف حكومة وحدة وطنية تعطى فيها الاكثرية 15 مقعدا والمعارضة 10 مقاعد، ورئيس الجمهورية 5 مقاعد، تطبيقا لمبادئ الدستور؟ وأين خصص الدستور وفي اي مادة خمسة وزراء لرئيس الجمهورية؟ وما هي المادة الدستورية التي تُجيز اشتراك المعارضة في الحكومة ومنحها عشرة مقاعد؟ ثم اي مادة في الدستور تنص على ان يسمّي كل فريق وزراءه؟ واستنادا الى اي مادة في الدستور تصنف الحقائب "سيادية" و"عادية"؟ واستنادا الى اي قاعدة تتوزع الحقائب بين الاطراف وكأنها حصص او اسلاب او مغانم كسبتها طوائف معينة وسُجلت باسمها؟
ام ان التأليف لا علاقة له بالدستور، لان هذا لم ينص على طريقة تطبيقه، وخصوصا المادة 53 التي تتحدث عن صلاحيات رئيس الجمهورية؟
ام هو العرف الذي يفرض ذلك؟
ام هي عودة الى الميثاق الوطني الذي تعبّر عنه العبارة التي وردت في مقدمة الدستور وفيها ان "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"؟
ونحن بدورنا نسأل: كيف تترجم نتائج الانتخابات في تأليف الحكومة؟


الجواب ليس بالبساطة التي يعتقدها كثيرون.
ذلك ان الانتخابات التي فازت بها الاكثرية التي يقودها "تيار المستقبل" كانت مجموعة معارك جندت لها قوى عدة مالية وسياسية واعلامية محلية واقليمية وحتى دولية من اجل إلحاق الهزيمة بالمعارضة في الدرجة الاولى. وقدر السعوديون في كلام شبه رسمي ما انفق على الانتخابات، وخصوصا لإحضار المغتربين جواً من الخارج وتأمين اقامة معينة لهم في لبنان، باكثر من سبع مئة وخمسة وعشرين مليون دولار. علما ان الشعارات الرئيسية التي رفعت في المعركة هي انها ضد الهيمنة السورية – الايرانية على القرار اللبناني، وفي مواجهة تهديد يتعرض له الكيان وعروبته من سوريا وايران، فضلا عن التلاعب بالديموغرافيا على حساب المسيحيين في اكثر من منطقة وخصوصا في زحلة.
ولعل اخطر ما حصل في هذه الانتخابات، وربما شكّل واحدة من اصعب العقد في تأليف حكومة الوحدة الوطنية التي "اشترى" بها التيار الفائز عدم حصول ردود فعل عنيفة من جانب المعارضة من شأنها تهديد السلم الاهلي، هي انها جرت في جزء مهم منها بين المسيحيين وداخل مناطقهم في معركة استنزاف للقوى المسيحية على انواعها، جُنّدت لها طاقات هائلة، سياسية واعلامية ومالية، كما أُقحمت فيها الكنيسة بطريقة لم يسبق لها مثيل في تاريخها  فجندت نفسها لمواجهة فريق مسيحي في معركة انتهت بانتصار نسبي لهذا الفريق، وبتراجع لدور الكنيسة عانت منه ولا تزال الكثير، مما افقدها رسالتها التوفيقية.
واذا كانت المواجهة الحالية في تأليف الحكومة تدور مع احد اكبر الاطراف المسيحيين وصاحب اكبر كتلة نيابية بعد كتلة "تيار المستقبل"، ونعني به "تكتل التغيير والاصلاح" الذي يتزعمه العماد ميشال عون، وتشكّل هذه المواجهة العقدة الاصعب في التأليف نظرا الى رفع عون سقف مطالبه ووقوف بقية افرقاء المعارضة وراءه وتقديمه كمفاوض رئيسي مع الموالاة ليس على حصة تكتله فحسب، بل كزعيم للمعارضة مضطر الرئيس المكلف الى التفاوض معه، وعدم تهريب التمثيل المسيحي في اتجاه الرئيس ميشال سليمان ووضعه في مواجهة العماد عون، ليس ايمانا بحق الرئيس في مقاعد وزارية بل من اجل حصر المعركة مرة اخرى بين المسيحيين، بين ميشال عون ومسيحيي 14 آذار، ثم بين عون ورئيس الجمهورية.
وبهذه المعركة الاستنزافية للمسيحيين التي بدأت في الانتخابات وأُقحمت فيها الكنيسة، ثم في معركة التأليف التي تصوّب فيها الكنيسة من بعيد على عون والمعارضة وعلى سوريا من ورائهما، يتعرض الحصن المسيحي للانهيار.


اذ ان الحصن المسيحي في لبنان كان يقوم على ثلاث ركائز: رئاسة الجمهورية، والجيش، والكنيسة.
فبعد تجريد الرئيس من صلاحياته في الطائف، والغاء دوره كحاكم ومرجع فعلي ورئيس للسلطة الاجرائية، وانقسام الجيش في الاحداث بين 1975 و1990، وانكفاء المسيحيين عنه، ولا يزالون، بقيت الكنيسة صامدة، فجاءت الانتخابات فأقحمتها في حرب ضد فريق كبير من المسيحيين، مما افقدها دورها الوطني القائد، كما أفقدها صفة الراعي والموجّه والمرشد لابناء الرعية.
وربما قيل: لكن عقدة التأليف ليست محصورة في المسيحيين، وفي العماد ميشال عون حصريا، وان جهات اقليمية ودولية هي التي تؤخّر التأليف، بل تنصح بعدم استعجاله تحوطا لتطورات مقبلة سيشهدها شهر ايلول المقبل سورياً وايرانياً وحتى اسرائيلياً، وخصوصا بعد توجه الرئيس الاسرائيلي شمعون بيريس الى موسكو وسعيه الى اقناع الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف باعادة النظر في صفقة بيع ايران انظمة صواريخ ارض – جو مضادة للطائرات والصواريخ يمكن استخدامها لصد الطائرات والصواريخ الاسرائيلية في حرب محتملة قد تشنها اسرائيل على المنشآت النووية الايرانية. وربما كان ذلك موضوع تشاور ايضا اول من امس بين الرئيس السوري بشار الاسد والمسؤولين الايرانيين الكبار وفي مقدمهم مرشد الجمهورية السيد علي خامنئي والرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الذي زار الاسد طهران من اجل تهنئته بانتخابه رئيسا لفترة ثانية.
 ولذلك تبدو قضية الحكومة ابعد من عقدة عون، وتجاوزه الاصول الدستورية، ومتصلة بمجموعة "اجندات" اقليمية لها ولاعبوها على الساحة اللبنانية وليس قليلا ان يصوم الرئيس ميشال سليمان والرئيس نبيه بري، والرئيس المكلف سعد الحريري، وكذلك النائب وليد جنبلاط الدكتور سمير جعجع، ويقررون عدم الافطار قبل نهاية رمضان!
جعل الله صيام الجميع مباركا ومقبولا، وحاملا الخلاص للبنان المعذب.