جـراح ١٤ آذار تتســع ولا مـن يـداويهـا – عماد مرمل – السفير

يعكس وضع الأمانة العامة لـ14 آذار حال فريق الموالاة المترنح هذه الأيام بفعل الضربة القوية التي تلقاها على رأسه من النائب وليد جنبلاط في الثاني من آب، معطوفة على الاجتهادات المتباينة لقياداتها ـ التي ما تزال في الخدمة ـ حيال كيفية التعاطي مع الاستحقاقات السياسية.
ولئن كان خروج الحزب التقدمي الاشتراكي من «الأمانة العامة» أولا ثم من جسم 14 آذار لاحقا قد شكل العلامة العلنية الأولى على الأزمة التي يعاني منها هذا الفريق، فقد جاءت مقاطعة حزب الكتائب في ما بعد لاجتماعات «الأمانة العامة» بمثابة مؤشر إضافي إلى تفاقم عوارض مرضها وتمدده في أنحاء جديدة من الجسد الآخذ في النحول.
ولعل من ابرز تجليات حالة التخبط التي تمر فيها قوى 14 آذار في هذه المرحلة، إخفاقها في عقد ولو اجتماعا واحدا على مستوى قيادات الصف الأول، منذ انتهاء الانتخابات النيابية، أقله من أجل قراءة نتائجها وتحديد قواعد السلوك في المرحلة المقبلة.
ولم تكن صدمة استقالة زعيم المختارة من صفوف هذه القوى كافية بدورها للدفع نحو تلاقي تلك القيادات للبحث في كيفية التعامل مع تداعيات الزلزال الجنبلاطي، بل إن خطوة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي تحولت إلى سبب إضافي لجعل اللقاء يبتعد أكثر فأكثر.
وإذا كان احتجاج جنبلاط على خيارات فريق 14 آذار ومنهجيته قد اتخذ طابعا صاخبا، فإن نوعا آخر من الشكاوى يتفاعل بدرجات مختلفة، على مستوى قيادات محورية، كالرئيس أمين الجميل الذي بلغ به التذمر أخيرا حد تعليق مشاركة ممثل حزب الكتائب في اجتماعات الأمانة العامة، في رسالة أراد منها رفع منسوب اعتراضه بعدما تجاهل حلفاؤه سماعه خلف الأبواب المغلقة.


ومن الواضح أن مشكلة 14 آذار تتخذ بعدين: الأول سياسي، والثاني تنظيمي. في البعد الأول، يشكو البعض ولا سيما حزب الكتائب وضمنا «القوات اللبنانية» من تجاهل باقي الحلفاء الأساسيين لآراء أهم حزبين مسيحيين مشاركين في 14 آذار حيال استحقاقات سياسية حيوية. وفي هذا المجال تتململ أوساط كتائبية من عدم الأخذ بعين الاعتبار موقف الحزب الرافض بداية لانتخاب نبيه بري رئيسا لمجلس النواب ثم الداعي إلى قبض ثمن سياسي مرتفع مقابل القبول بإعادة انتخابه، وكان «الكتائب» قد اقترح يومها التفاهم على انتخاب بري وملف الحكومة الجديدة في سلة واحدة، بحيث يتم الاتفاق مع المعارضة على الأمرين معا وبشكل مسبق ومتواز، ولكن لم يؤخذ يومها بوجهة النظر هذه وتم فصل المسارات وجرى انتخاب بري بمعزل عن أي شأن آخر، بعدما نال أصوات معظم نواب تيار المستقبل واللقاء الديموقراطي، «والنتيجة أن الطائفة الشيعية أوصلت من تريد إلى رئاسة المجلس النيابي وهي الآن بصدد محاولة تحصيل المزيد من المكاسب في الحكومة المراد تشكيلها».





ابتلع حزبا الكتائب و«القوات» كأس بري المرّة، ليبدأ بعد ذلك مشوار تشكيل الحكومة. وافق الحزبان بصعوبة على صيغة 15ـ10ـ5 علما أنهما من حيث المبدأ كانا يناديان بتأليف الحكومة على قاعدة شروط الأكثرية التي تمنحها أرجحية واضحة في الحكم انطلاقا من كونها فازت في الانتخابات النيابية. استجاب الطرفان في نهاية المطاف لموازين القوى داخل 14 آذار ولمتطلبات التسوية، ولكنهما سرعان ما صعقا بانقلاب جنبلاط. عندها اعتبرا أن الصيغة الوزارية القديمة لم تعد صالحة ولا بد من تغييرها لتصبح أكثر ملاءمة مع التطور المستجد، إلا أن أصحاب الحل والربط في 14 آذار لم يتوقفوا كثيرا عند هذا الطرح، ليفاجأ حزب الكتائب لاحقا ببيان يصدر عن «الأمانة العامة» يؤكد استمرار السير في معادلة 15ـ10ـ5.
يشعر حزب الكتائب بأن «الأمانة العامة» بدأت منذ فترة تفتح على حسابها وتصدر بيانات استنسابية وغير منسقة مع كل القيادات الأساسية في 14 آذار ومنها أمين الجميل، وهناك في الحزب من يهمس بأن هذه الأمانة أصبحت تتأثر إلى حد كبير برغبات طرف سياسي محدد، يبدو انه يستفيد من قدراته لممارسة نفوذه عليها.
وما زاد الطين بلة ـ وفق الأوساط الكتائبية ـ أن الفوضى دبت مؤخرا في «الأمانة العامة» التي جنحت نحو اتخاذ مواقف متناقضة مع مرجعيات بارزة في 14 آذار، ثم راحت تحاول أن تملأ الفراغ الحزبي الحاصل في صفوفها، نتيجة تعليق عضوية «الاشتراكي» و«الكتائب»، بضم شخصيات إليها لا تتمتع بأي صفة تمثيلية أو حزبية أو شعبية، بل تحولت إلى عبء على «الأمانة العامة» التي أصبحت أقرب إلى «الديوانية» منها إلى إطار تنظيمي متناغم مع الجسم الواسع.


وتكشف الأوساط عن محاولات عدة جرت من أجل ترتيب اجتماع لقيادات الصف الأول في 14 آذار بحضور جنبلاط، إلا أنها اصطدمت بعقبتين:
ـ الأولى، أن وليد جنبلاط بات عمليا في المقلب الآخر من المعادلة السياسية، ويبدو انه ليس لديه النية أو الجرأة للقاء حلفائه السابقين ومناقشتهم في دوافع موقفه، مفترضا أن لقاءه مع الحريري يغني عن الاجتماع بهم.
ـ الثاني، ان هناك رغبة في تفادي الإحراج بفعل وجود تمايزات جدية بين الأقطاب الآخرين تجاه كيفية التعاطي مع الحالة الجنبلاطية وبعض العناوين السياسية المطروحة، عدا عن أن هناك خللا تنظيميا فادحا في عمل «الأمانة العامة» يستوجب المعالجة.
وإذ تحرص الأوساط الكتائبية على التمييز بين أهداف الحملات التي تتعرض لها 14 آذار من قبل المعارضة وبعض الصحف السورية وبين النقد البنّاء الذي يوجهه الحزب لتقويم الاعوجاج، تلفت الانتباه إلى أن المشكلة تكمن في كون الوقائع التي تستند إليها الحملات صحيحة، وقد حان الوقت لمواجهتها ولإعادة النظر في وضع قوى 14 آذار بغية تحصينها وتفعيلها، لتكون جديرة بمشروع بناء الدولة الذي تحمله