الحكومة أسيرة أعراف التأليف والتكليف – نقولا ناصيف – الأخبار

على مرّ هذه السنين كتب اللبنانيون عشرات وثائق التسوية التي لم تبصر النور، بينها ما ظلّ وهمياً ولكنه أبرم صفقة اتفاق هي معادلة لا غالب ولا مغلوب عام 1958، وبينها ما دوّن وأهمل كالوثيقة الدستورية عام 1976، وقرارات حوارَي جنيف ولوزان عامي 1983 و1984، والاتفاق الثلاثي عام 1985، إلى عشرات أخرى لم تتعدَّ مسوّدات مبادئ تفاهم وصيغاً جالت بين الزعماء، عرض كلّ منهم فيها نظرته إلى الإصلاح والوحدة الوطنية. رمى الميثاق الوطني إلى تلاقي اللبنانيين في وطن واحد وتخلّيهم عن كل ما رافق الجدل حول كيان لبنان الكبير وعلاقته بالخارج القريب والبعيد، ورمى اتفاق الطائف إلى إنهاء الحرب وإدخال تعديلات على الدستور تعزّز المشاركة، ورمى اتفاق الدوحة إلى تجنيب اللبنانيين فتنة سنّية ـــــ شيعية وعلّمهم إطاراً جديداً لتقاسم السلطة في مجلس الوزراء. لكن أياً من الميثاق الوطني واتفاق الطائف لم يضع لبنان في أزمة دستورية مباشرة.
لم يلامس الأول الدستور، مكتفياً بتنظيم العيش المشترك، وزعم الثاني إدخاله إصلاحاً دستورياً كي يثبّت العيش المشترك بالمساواة والعدالة. الأول صاغه رجلان هما الرئيسان بشارة الخوري ورياض الصلح، والثاني 62 نائباً انتخبوا قبل 17 عاماً صوّتوا عليه مرتين: أولى في الطائف في 22 تشرين الأول 1989، وثانية في القليعات في 5 تشرين الثاني لتأكيد تحوّله تسوية تاريخية في وثيقة وطنية رسمية لبرلمان ملتئم على الأراضي اللبنانية. وراء النواب جلست سوريا والسعودية لفرض تسوية 1989، ووراء الزعماء الـ14 الذين اجتمعوا في الدوحة جلست سوريا والسعودية أيضاً تحت خيمة قطر. هكذا في 19 عاماً صنع الخارج، سوريا والسعودية خصوصاً، منجاة اللبنانيين من أنفسهم وحروبهم الداخلية، ووضع أصابعه في المسألة الدستورية فعطبها.


وسواء عُدّ الاستقرار السياسي والأمني الذي نشأ من اتفاق الطائف طبيعياً أو مفتعلاً، إما لوجود الجيش السوري في لبنان أو لإحكام الطبقة السياسية قبضتها على مفاصل السلطة معوّلة على مرجعية تحمي هذه القبضة، فإن اتفاق الدوحة أبرمه الزعماء اللبنانيون وبعضهم ينظر إلى البعض الآخر بريبة. لم يوقّع الشيخ بشارة ولا الصلح الميثاق الوطني، ولا النواب الـ62 اتفاق الطائف ولا عرّابوه، إلا أن الزعماء الـ14 مهروا اتفاق الدوحة كي لا يتنصل أحدهم منه. وتلك ذروة تداعي الثقة بين شركاء لم يُدعوا إلى توقيع اتفاق إنهاء حرب بين بلدين، بل إلى تفاهم وطني على عدم احتكامهم إلى السلاح ونبذ التشنّج المذهبي، ومنع استخدامهما في الخلاف السياسي. فانتهى اتفاق الدوحة إلى وضع قواعد أوحت أنها استثنائية وانتقالية كي ترسّخ الاستقرار ويحتكم الأفرقاء بعد ذلك إلى الانتخابات النيابية، قالت بحكومة وحدة وطنية وتوزيع مقاعدها بين الرئيس والموالاة والمعارضة.
لكنّ اتفاق الدوحة أرسى أعرافاً شرّعت الأبواب على أزمة دستورية تكاد تقارب الأزمة الوطنية. أكبر من أزمة حكومية وأصغر من أزمة نظام مرشّح بدوره لأن يصبح في خطر. لم يعد الاحتكام إلى اتفاق الدوحة فحسب، بل أيضاً إلى اجتهادات تفرّعت منه وتكاد تؤسس أعرافاً افترض اتفاق الطائف، قبل اتفاق الدوحة، أنه أراح اللبنانيين منها من وفرة ما أفضى إليه عدم التزام بعض أحكام الدستور بسبب الإخلاص للميثاق الوطني ورفعه إلى منزلة أعلى.
ولعلّ المفارقة التي تحمّل اتفاق الدوحة وزر الأزمة الدستورية، أنه أوجد آلية جديدة لانتقال السلطة الإجرائية، متكئاً على ما نصّ عليه الدستور المنبثق من اتفاق الطائف. هكذا ورث اتفاق الدوحة ـــــ وهو يحمل في ذاته كل أسباب اللادستورية في الحكم ـــــ ثغراً أغفلها اتفاق الطائف أو تجاهلها، أو تعمّد إبقاءها معلّقة كي تكون مصدراً دائماً للأزمات. حينذاك، بين عامي 1990 و2005، كان سهلاً اكتشاف حلول سحرية لهذه الثغر وإهمال أخطائها وأزماتها عبر المرجعية التي مثّلتها دمشق للحكم اللبناني.
في واقع الأمر، فإن حكومة الوحدة الوطنية التي يعكف الرئيس المكلّف سعد الحريري على تأليفها منذ 27 حزيران، والأعراف التي راحت تلازم هذا التأليف، تمثّل أسطع وجوه الأزمة الدستورية التي خلّفها اتفاق الدوحة، ومنها:





1 ـــــ رغم أن المادتين 53 و64 تشيران إلى التكليف لتأليف الحكومة، فإنهما لا تحدّدان مهلة له، ولا ترغمان الرئيس المكلف على الاعتذار عن عدم تأليف الحكومة من جرّاء إخفاقه.
كانت مداولات اتفاق الطائف قد لحظت، في صيغة أولى عند مناقشة هذه الصلاحية، انتخاب رئيس الحكومة في مجلس النواب بغالبية مرجّحة على نحو ما اقترحته الوثيقة الدستورية عام 1976، إلا أن النواب ارتأوا إبقاء صلاحية التكليف في يد رئيس الجمهورية جزئياً، على أن يجري استشارات نيابية تكون نتائجها ملزمة له، تفادياً لوضع الصلاحية في عهدة البرلمان. وطُرح في مداولات الطائف تقييد الرئيس المكلف بمهلة رفضها الرئيس صائب سلام، إذ عدّها تنتقص من هيبة الرئيس المكلّف ومكانته لدى طائفته، متوقعاً أن يعتذر عندما يفشل في التأليف. بعد اتفاق الطائف هي حال اعتذار الرئيس المكلف عمر كرامي عن عدم تأليفه الحكومة في 13 نيسان 2005، ومن قبل الاتفاق حال الرئيس المكلف تقيّ الدين الصلح في 9 آب 1980. كانت السابقة الأكثر دلالة اعتذار ثلاثة رؤساء مكلّفين على التوالي بين 9 و18 أيلول 1952 هم الرؤساء ناظم عكاري وصائب سلام وحسين العويني.
يواجه الحريري المشكلة نفسها مذ ثبّت اتفاق الدوحة توازن القوى الداخلي بين أكثرية وأقلية تتقاسمان السلطة الإجرائية. لا يعتذر عن عدم تأليف الحكومة مهما طال أمد التكليف، ولا يسعه تأليفها خارج القاعدة التي وضعها اتفاق الدوحة بتقسيم حصصها بين الموالاة والمعارضة.
والأحرى أن معادلة 15+10+5 كرّست معادلة اتفاق الدوحة مستترة، بأن أخفت النصف + 1 والثلث + 1 في قبعة رئيس الجمهورية، الأمر الذي يجعل صيغة الاتفاق نافذة أيضاً في مراحلها التالية، وأخصّها توزيع الحقائب بالتراضي بعد تقاسم المقاعد بالتراضي.


2 ـــــ كبّل ذلك رئيس الجمهورية عندما جعل منه اتفاق الدوحة طرفاً مباشراً في الحكومة وصاحب حصة تفضّ ظاهراً الاشتباك بين الموالاة والمعارضة، من غير أن يرجّح وزراؤه الثلاثة كفّة الثلثين للغالبية الحكومية. قيّدت الحصة صلاحيته الدستورية التي تلزمه السهر على احترام الدستور عملاً بالمادة 49، إذ تنيط به لهذا السبب التدخّل لجبه أي طارئ في آلية عمل المؤسسات الدستورية، ذلك أن المادة 69 تضع مجلس النواب في حال انعقاد دائم حتى تأليف حكومة جديدة ونيلها الثقة، وإن لم يكن في انعقاد عادي أو استثنائي، توصّلاً إلى حلّ الأزمة الحكومية ما دام التكليف انبثق من البرلمان. دور كهذا لا يجعل المجلس شريكاً في التأليف، بل في الحؤول دون تعطيل التفويض الذي منحته أكثريته للرئيس المكلف.
وتتقاطع هذه الصلاحية مع تلك التي تنصّ عليها المادة 53 عندما تمكّن رئيس الجمهورية عند الضرورة من توجيه رسائل إلى مجلس النواب لحضّه على تحمّل مسؤوليته حيال مصير التكليف. يعكس هذا الاختصاص مسؤولية مستمرة لرئيس الجمهورية، فلا يكتفي بتسمية الرئيس المكلف استناداً إلى الأكثرية التي سمّته، بل يبقى معنياً بالمراحل التالية حتى موافقته على إصدار مراسيم تأليف الحكومة الجديدة.
ولأنه لا حكومة تبصر النور بلا رئيس الجمهورية، يحمله استمرار دوره على مناقشة الرئيس المكلّف في الوسائل الكفيلة بألا يبقى التكليف معطلاً: لا بالتأليف ولا بالاعتذار عن عدم التأليف.
واقع الأمر أن طبيعة الصراع السياسي وحدّته، والتشنّج المذهبي الذي يواكبه، يقصر دور رئيس الجمهورية على مراقبة جهود الرئيس المكلّف من دون التدخّل فيها. في المقابل، تبعاً للمبرّر نفسه، لا يسعه إرغامه على استعجال إطلاعه على صيغة حكومية مقترحة لئلا تُفسّر المحاولة تدخّلاً في صلاحية حصرية للرئيس المكلّف، وهي ليست كذلك ما دامت الحكومة تنبثق من توقيعَي الرئيسين.
هكذا، في ظلّ تجاذب نزاعات الأفرقاء، يتريّث الحريري في التأليف، من غير أن يعدّ نفسه مقيّداً بمهلة ويخفق في التأليف، ما لم يستجب لمطالب المعارضة، شريكته فيها، التي لم تسمّه للتكليف حتى، ولا يسعه اقتراح حكومة الأكثرية النيابية لئلا يرفضها رئيس الجمهورية المتمسّك بتوازن قوى يعكس التمثيلين الطائفي والسياسي المعبّرين عمّا تنص عليه مقدمة الدستور: شرعية سلطة لا تناقض ميثاق العيش المشترك.


3 ـــــ قسّم اتفاق الدوحة حصص الحكومة بين الموالاة والمعارضة بأن أعطى الأولى النصف + 1 والثانية الثلث + 1، وهما بذلك حصلتا متساويتين على الثلث + 1. إلا أنه أرسى من ضمن هذا التقاسم حقاً سياسياً لفريق، بات أقرب إلى صلاحية دستورية مستترة، هي أن الرئيس المكلف لا يسعه تأليف حكومة لا ترضى المعارضة بحصتها فيها. ضاعف من وطأة المشكلة أن الحكومة الأولى المنبثقة من اتفاق الدوحة أعطت الموالين والمعارضين ما يدخل في صلاحية رئيسي الجمهورية والحكومة، وهو تسمية الوزراء، ثم ثبّت الحريري أخيراً هذا الحقّ عندما صرّح بأنه يترك لكل فريق تعيين وزرائه. وسواء أوجبت الظروف الاستثنائية لحكومة 2008 هذا الخيار، أو عُدّ موقف الحريري زلة لسان، صارت المعارضة ـــــ ومن غير أن تمتلك صلاحية التوقيع ـــــ شريكاً مباشراً في تأليف الحكومة. لا حكومة بلا موافقتها على حقائبها ووزرائها، ولا شرعية تمثيلية لحكومة تفتقر إلى مشاركة طائفة فيها. بل الأصح لا حكومة بعد اليوم تشبه حكومة 2005 على أثر استقالة الوزراء الشيعة في 11 تشرين الثاني 2006