حديد بقضامي ؟! – راجح الخوري – النهار

شرّ البلية ما يضحك.
فلقد فتحت ردهة بورصة المقايضات السياسية أبوابها أمس نصف فتحة. هناك الآن من يريد ان يبقّ البحصة. ربما لأن حساب الوقت الضائع في مسألة تشكيل الحكومة بات يقيَّد عند الناس على خانة مقاولي التعطيل لا على حساب سعاة التشكيل.
فلقد كان مضحكا تماما ان يقرأ الناس امس الكلام المنسوب الى المعارضة، وفيه "أن عقَدا خارجية تعرقل تشكيل الحكومة وهي تتصل بحسابات مصرية – أميركية يبدو أن الرئيس المكلف سعد الحريري يتأثر بها".
ولكن على حد علم الناس أن المعارضة دأبت على القول انه يتأثر بالحسابات السعودية، وقد تأكد للمرة المئة في الاسابيع الاخيرة ان السعودية جاهدة في اتصالاتها ومساعيها مع سوريا، بما يسهّل، أو بالاحرى يساعد على تجاوز العقد والعوائق التي تضعها المعارضة في وجه الحريري، وإن تكن تكثر من نفض قميص عثمان ولا من يصدّق!

كان مضحكا أكثر أن يأتي الحديث عن عقدة الحسابات المصرية – الأميركية كمقدمة للقول اذا كان الحريري لا يتأثر بهذه الحسابات فما الذي يمنعه من ان يطرح صيغة حل وسط على الجنرال ميشال عون تقضي بتوزير جبران باسيل وابقاء وزارة الاتصالات معه في مقابل تنازله عن الحقيبة السيادية، وهذه صيغة يمكن ان تحظى بقبول عون؟
هذه هي المقايضة المضحكة – المبكية التي وضعتها المعارضة في التداول بعدما أحست بأن التعطيل سلاح ذو حدين، وأن الحد الأمضى بدأ ينحر الآن في صورتها أمام اللبنانيين، في وقت يواظب الرئيس المكلف سعد الحريري على التزام قواعد الجدية والدراية والهدوء في إطار من السعي الصامت بعيدا من الاثارة والانزلاق الى المهاترات التي تناولته وخصوصا من عون.
لكن المقايضة هنا تبدو بمثابة لعبة صبيانية، على طريقة "حديد بقضامي" كما تقول الامثال. أي: نطلب القمر لنحصل على المشتري. مجرد مزاد علني على أساس البازار في سوق الاوقية. اطلبوا المليون تحصلون على الالف بعد التنازل عن المليون، ولكأن المليون، والمقصود هنا وزارة الداخلية، هي من أعمال الرابية بالوراثة، او بوضع اليد او بالاستيلاء أو "بالهوبقة" لا ندري!




لا ليس هكذا تعمل بورصات تشكيل الحكومات. فالمسألة تحتاج من الجميع الى الجدية في تحمّل المسؤولية. والحديث عن تدخلات خارجية لا يتصل قطعا لا بالرئيس المكلف ولا بالاكثرية، لأن التكليف جاء على أساس استشارات نيابية مستندة الى أكثرية لم ينكرها أحد في حينه، ولأن بداية المساعي للتشكيل انطلقت من هذه القاعدة، فكان ان وصلت التدخلات الخارجية سريعا بهدف اجهاض المعنى السياسي لنتائج الانتخابات وحرق أوراق سعد الحريري منذ بداية الطريق.
كان الامر واضحا ولا يزال في أشد الوضوح. فالعقد الخارجية تختفي وراء موقف المعارضة تحديدا. أما محاولة طرح البازار المضحك، أي توزير باسيل في الاتصالات في مقابل "تنازل" عون عن الداخلية، فانه محاولة ابتزاز من جهة ومحاولة تمزيق الدستور الذي يعطي الرئيس المكلف صلاحية التشكيل بالتعاون مع رئيس الجمهورية من جهة ثانية.

وعندما تقول أوساط مقربة من "حزب الله" إن الحزب يرفض أن يقوم بدور الوسيط بين الرئيس المكلف وعون الذي لا ينتظر أصلا موافقة الحزب او ممانعته، فانها بذلك تحاول ان تذرَّ الرماد في العيون.
لماذا؟
لأنه عندما يعلن نواب "حزب الله" تكرارا انهم يدعمون عون في مطالبه ويعتبرونها مطالب محقة وهم يعرفون تماما استحالة استجابتها لأنها تجافي التوازن السياسي وقواعد الدستور وحتى حسابات الحصص التوزيرية البسيطة، فانهم بذلك يشكلون قاعدة داعمة لتعطيل التشكيل.
واذا كان من الواضح والمعلوم عند كل اللبنانيين ان قاعدة التعطيل هي عند "حزب الله" وبدرجة مخففة عند حركة "أمل"، فإن من المثير تماما ان يواصل نواب "حزب الله" دعواتهم شبه اليومية الى استعجال تشكيل الحكومة، لأن هناك استحقاقات داهمة تفرض قيام حكومة وحدة وطنية تم التفاهم على حصصها السياسية.
واذا كان "حزب الله" وحركة "أمل" يستعجلان فعلا التشكيل بعد الاتفاق على الحصص السياسية الحكومية كما قلنا، فليس من المعقول ملازمة الشعار الذي يقول "لن ندخل الحكومة من دون عون". كما ليس معقولا القول "نحن نتبنى مطالب عون ولا نتوسط معه"، إلا اذا كان المطلوب ان يبقى عون واجهة التعطيل، في حين تواصل "الثنائية الشيعية" الظهور مظهر الحريص على  التسهيل والاستعجال.
والخلاصة، يبدو أن المطلوب إما حكومة تقبض المعارضة على قرارها في المرحلة المقبلة وما فيها من استحقاقات منتظرة، وإما المراوحة داخل دائرة حكومة تصريف الاعمال، مع استمرار السعي لتحميل الرئيس المكلف مسؤولية التعطيل، وهو أمر لا ينطلي على أحد، والدليل ظهور محاولة تسويق المقايضة المضحكة أي "التنازل" عن الداخلية في مقابل تثبيت باسيل في الاتصالات!