فتِّش عن الخارج ! – زيّان – النهار

خير الكلام ما قلَّ ودلّ.
وخير مطلع لهذا المقال ما سمعته أمس من خير مرجع تيقن قراءة الأحداث ويدلُّ على مصدر علَّتها.
وكان الكلام، بطبيعة الحال، يطوف حول الظروف والملابسات التي تحاصر عملية تشكيل حكومة الرئيس سعد الحريري.
فقال مهِّوناً: ما صار شيء الا صار مثله وأكثر.
راجعنا، عَبْر الذاكرة، ما أمكاننا نبشه من أحداث بهذا المعنى، فوجدنا ان اللائحة أطول من أن يتسع لها المكان.
فاكتفينا بالمختصر المفيد، وبالقول أنها ليست أوَّل أزمة ولا آخر أزمة.
لا زحلت الأرض من موضعها مع الأزمات السابقة، ولن تقع مع الأزمة الراهنة.
لقد سبق الفضل وشهد لبنان أزمات عاصفة ومزمجرة، استجلبت حروباً متعددة الأسم والهويَّة والغرض، الا انه عاد منها أشدُّ عزيمة واكثر تصميماً على الصمود والتصدي.
فلا داعي، إذاً، للوجل وقضم الأظافر، وكظم الغيظ.
ما من ريب في أن وراء أكمة أزمة التشكيل الكثير الكثير من العوامل والدوافع المتشابكة التي لا يمكن القفز فوقها. ولا تستطيع التنازلات، على صعيد الحقائب والأسماء والمسايرة، التغلب عليها والتخلُّص من شباكها.
في الوقت الحاضر على الأقل.
وهي بكل ما تنطوي عليه من صنع الخارج، كما تفيد التطوُّرات، وكما تروي الوقائع المستجدَّة.
وما الأصوات الداخلية التي تلعلع تباعاً، حاملة كل ما في حوزتها من عراقيل وتعقيدات الى ساحة الحكومة، الا صدى لموقف الخارج، واستجابة لرغباته.
ولا مبالغة في هذه القراءة، وخصوصاً من حيث "الصدى". ولو كان الشيخ عبدالله القصيمي الذي توّج أحد أم مؤلَّفاته بعنوان "العرب ظاهرة صوتيّة"، حاضراً اليوم لما تردَّد في وضع مؤلفَّ  جديد بعنوان "اللبنانيون صدى الظاهرة الصوتيّة".
الأزمة موجودة لأسباب "كونيَّة"، وليس لعيون هذا الصهر أو ذاك.
هذا اللغو كلّه ليس إلا صدى. ومجرَّد ملهاة لتمرير الوقت وتبرير التعطيل.
المهم الا تصل موسى التأزيم، الذي لا أب له يسأم، الى ذقن الأمن، وذقن الاستقرار، ويعيد البلد الى شاطىء البحر الهائج.
والا يدفعوا بالأزمة العالقة بين المطرقة والسندان الى دبق المقايضات والمفاوضات من تحت الطاولات.
صحيح ان للداخل أدواراً شتَّى، كما له أكثر من ضلع وإصبع وصوت، في هذا السيناريو المحبوك سلفاً والمعدّ بأحكام، لكنَّ حجم تأثيره الفعلي لا يتعدى حجم حبة الخردل.
اعملوا بنصيحة نابوليون وفتشوا عن الخارج وأدواره.
واذا كان من حسنة لأزمة التشكيل، فهي "تتجلّى" في التأكيد ان لبنان لا يزال رهين المحبسين ورهين أزمات المنطقة، من ايران بلوغاً "عربستان"، مروراً بالعراق واليمن والتسوية السلمية والقرن الأفريقي والانهيار المالي العالمي وانفلونزا الخنازير.