كونوا في السكوت أيها الصحافيون – راجح الخوري – النهار

ذات يوم عشية "حرب التحرير" وهزّ المسامير، انخرط رئيس الحكومة العسكرية الجنرال ميشال عون في نقاش حاد مع عدد من الصحافيين الذين فوجئوا به يطالبهم بعدم إيراد كلمة "الرئيس" أمام اسم الياس الهراوي رحمة الله عليه.
أذكر انني كنت مع عدد من الزملاء بينهم فؤاد دعبول وفيليب ابي عقل، وقلت يومها لعون:
الياس الهراوي صار رئيساً للجمهورية، فكيف تطالب الصحافة بحذف صفته الرئاسية؟ ثم ماذا تريد ان نعطيه صفة؟
فرد غاضباً: "هذه انتخابات مسخرة. هذا تعيين، اكتبوا السيد الياس الهراوي!".
قلت: وهل يجوز هذا الشيء؟
قال: "ضعوا ثلاث نقاط بين هلالين ثم الاسم اي: (…) الياس الهراوي. وإلا سأصادر الصحف في المنطقة الشرقية".
طبعاً بقيت كلمة الرئيس ملازمة لإسم الياس الهراوي. ويبدو ان عون انهمك بما كان في "قصر الشعب" من مشاغل التحرير و"الجمهورية الفاضلة" النازفة والمدمرة، فلم تُصادر الصحف في "الشرقية". تلك الشرقية التي تنذكر ما تنعاد!

أمس فاجأنا الجنرال عندما قام بتخفيض رتبة الرئيس المكلّف تشكيل الحكومة سعد الحريري. وكذلك رتبة الرئيس المنتخب نبيه بري. انطلاقاً من قاموس تعريفاته السياسية، الذي يقول، ليس هناك سوى رئيس واحد هو رئيس الجمهورية. رئيس المجلس هو رئيس المجلس، اما الرئيس المكلّف فهو "النائب المكلّف"، مفهوم؟!
حسناً. مفهوم. مفهوم جداً، وخصوصاً اذا كانت خلاصة المؤتمر الصحافي الذي استمر ساعة ونصف ساعة ست كلمات:
"لعيون صهر الجنرال ما تتألف الحكومة"!
لماذا استعمال كلمة "العيون" في سياق عدم التأليف، وما فيه من السلبية والأذى؟ لسنا ندري. فمن المعتاد استعمال هذه الكلمة في السياق الايجابي. لكن المعنى في قلب الجنرال الذي ذاب في شخصية صهره الوزير الشاب المقاوم جبران باسيل، او ان الصهر ذاب في شخصية عمه، فصار من حق الجنرال القول: "من ينتقده ينتقدني".
ولكن ليس هناك من ينتقد الوزير باسيل، بل هناك في الحقيقة من ينتقد عون لأنه يكسر كلمة الجنرال ويدحض مواقفه السابقة، عندما رفض توزير الراسبين في الانتخابات عام 2005 وعندما اختصر الآن كل كفاءات "التيار الوطني الحر" وشبابه النواب في شخص صهره وهو الذي طالما قامت قيامته على توزير الابناء والاصهار والأقارب.
ثم لم يكن عون في حاجة الى السخرية المبطنة، من الذين تحدثوا بجد وصدق عن وجود كفاءات داخل "التيار الوطني الحر"، الا اذا كان لا يؤمن بوجود هذه الكفاءات أصلاً. وفي اي حال وبكثير من الموضوعية ومن قبيل الحرص على صورة الجنرال وهالته الوطنية وقيادته الملهمة، نقول انه لم يكن في حاجة الى كل هذا الغضب الساطع الذي دفعه الى القول: "حلّوا عن هونيك شغلي بالتيار"!
طبعاً، اللبنانيون كلهم من تلامذة البيزنسون، لا يعرفون ما هي تلك "الشغلي" لكن "المفلقسين" منهم تذكروا فوراً ما سبق ان قاله عون عن اولئك الذين "ما بيوصلوا لعند زناري"، وما ادراك ما الزنار يا قباري!




في الواقع ليس هناك من يعترض على شخصية الوزير باسيل. وليس هناك من يريد ان "يفدغ" رأسه، فلا حاجة اذاً لا الى الحيطان ولا الى الدبش ولا الى سور الصين العظيم، وخصوصاً انه سبق فضل الصهر عندما أفهم الجمهورية وشعب لبنان العظيم انه: "لو جاؤوا بالعالم كله فلن نقبل، ومهما تأخرت الحكومة فنحن مش فارقة معنا"!
رائع جداً!
وبغض النظر عن معادلة التعجيز والتعطيل وكسر العظم التي باتت تتمثل في القول: اما صهري واما لا حكومة ولا وطن، فإن مطالبة عون بوزارة الداخلية على حساب رئيس الجمهورية، وهو ما يضع مسماراً في نعش الميثاق، لانه يعطي المعارضة وزارتين سياديتين في مقابل وزارة واحدة للأكثرية بما يعني الانقلاب على نتائج الانتخابات، انما تشكل في معناها تدميراً للدستور من خلال تجاوز صلاحيات رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلّف وضرب هذه الصلاحيات والاعتداء عليها بمحاولة فرض وجهة نظره عليهما، ولكأن رئيس الحكومة المكلّف بات مجرد صندوق بريد، وهو أمر لن يقبل به لبناني "ولو جاء عون بالعالم كله"!

لقد دأب عون على مخاطبة الصحافيين والصحف ووسائل الاعلام، وكأنهم مجرد رهط من أغرار الحبر، في خدمة ما يراه مناسباً. وغالباً ما يغالي في الغضب والتعصيب الى درجة انه يبدو دائماً كمن يريد ان يعلّم زملاءنا المندوبين الجالسين أمامه أصول المهنة وقواعدها، وبعضهم ترتعد فرائصه فيخشى ان يسأل أو يناقش أو يقاطع.
نعم يريد أن يعلّم الصحافيين كيف يسألون. وكيف يفكرون. وبماذا عليهم التفكير. وكيف يطرحون الأسئلة. وبأي طريقة يختارون الكلمات. فهذا ممنوع، وهذا مسموح. هذا جيد، وهذا عاطل. هذا مقبول، وهذا مرفوض. هذا ملاك، وهذا شيطان. هذا طاهر، وهذا قذر. هذا شفاف، وهذا تمساح. هذا أمين، وهذا سارق. هذا يخاف الله، وهذا يعبد ربين. كل هذا رغم ان لبنان في حجم كشتبان، والناس تعرف أصول الناس وفصولهم أيضاً!
طبعاً، قواعد الحرية تعطي الجنرال الحق المشروع ليقول ما يريد. ولكن ليس مقبولاً ان يرفع حريته مثل كابوس فوق حرية الآخرين وخصوصاً الصحافة والصحافيين.
نعم الصحافيون الذين تلقوا امس تهديداً صريحاً من عون عندما قال: "الله يساعد اللي بدو يطلع بعد يحكي".
اذاً ممنوع الحكي. وكونوا في السكوت ايها الصحافيون. ولكن اين نقابتا الصحافة والمحررين من هذا التهديد؟ وأين القضاء، وفي يده إخبار بالصوت والصورة؟
واذا كانت السياسة قد وصلت الى حد القول: "لعيون صهر الجنرال ما تتألف حكومة"، واستطراداً ما يبقى بلد، فما نفع الحكي، وعلى طريقة باسيل: "بتحكي الصحافة أو عمرا ما تحكي".
لا على الصحافة ان تحكي بأصلها، وثق ان الله يساعد دائماً كلمة الحق.