لبنان المعلّق دائما وابداً – علي حماده – النهار

حاول المشروع الاستقلالي عام 2005 ان ينتج وطنا ودولة، واكثر ما حاول ان يبتكر معادلة داخلية – خارجية تخرج مجمل الواقع اللبناني من الاستقطابات الخارجية، ولا سيما منها الاقليمية المباشرة. فإخراج الوصاية السورية على دماء رفيق الحريري اتى بعدما صارت الوصاية نفسها مأزومة في لبنان، وذلك بعد دخولها مرحلة التحلل والاهتراء حتى صارت اقرب الى الاحتلال في خطوطه الانحدراية. وقد حاول الاستقلاليون ان يوازنوا بين علاقة جيدة مع الجار السوري وبناء خيار لبناني مستقل يأخذ مصالح لبنان اولا. ولكن الجدار الكبير الذي ارتطم به الاستقلاليون كان مشروع "حزب الله" المحلي – الاقليمي الذي ارتكز على التقوقع ضمن جدران البيئة الشيعية التي جرت تعبئتها وتجييشها في شكل اعمى، وعلى السلاح العامل في إطار التوظيف "الامبراطوري" الايراني في المنطقة.

لماذا هذه المقدمة؟ للتذكير بأن هدف المشروع الاستقلالي اللبناني كان ولا يزال اخراج لبنان من دائرة الاستقطابات الاقليمية الحادة، بدءا بإقامة علاقات متوازنة مع الجار السوري المتعب، ووقف استخدام لبنان ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الايرانية بالواسطة تارة مع الاسرائيليين، وطورا مع السعوديين والمصريين، وحتى مع الاميركيين والاوروبيين. وكانت الرسالة التي رفضها "حزب الله" باعتباره العماد الاساسي لما سمي في ما بعد معارضة، ان ثمة فرصة تاريخية لبناء مشروع الدولة اللبنانية لكل اللبنانيين. وثمة فرصة تاريخية لتحييد لبنان بإرادة بنيه عن دائرة الصراعات الاقليمية، على قاعدة انه ما كان ساحة إلا عندما ارتضى اهله ان يكونوا وقودا في حروب الآخرين على ارضهم.
رفض "حزب الله" المشروع، وشن وسوريا حربا منظمة انتهت بسقوط مشروع الدولة خلال غزوات 7 ايار، واعيد لبنان بالقوة ليكون الوطن الساحة في هذا الشرق الملتهب.
اليوم، يتأكد اكثر فاكثر من خلال مسار تأليف الحكومة ان لبنان الدولة معلّق، وان لبنان الساحة هو القائم. فلا حكومة قبل ان يزور العاهل السعودي دمشق، ولا حكومة ما لم يحظ "حزب الله" بوزير حادي عشر مستتر، ولا حكومة ما لم ينفلت امر التسلح في كل المناطق، وما لم تتوسع مساحة الجزر الامنية في كل اتجاه على حساب المساحة الوطنية المشتركة. ويذهب البعض الى القول ان مساحة دولة القانون ضاقت الى حد تحولت جزرا في بحر "الجزر الامنية" من بيروت الى الضاحية فالجنوب فالبقاع!




الحكومة معلقة، والدولة معلقة، والوطن معلق ومعه المواطنية التي من شأنها متى سادت ان تشعر كل لبناني على هذه الارض بانه ابنها حقا، وذو حقوق متساوية مع اللبناني الآخر.
تأخرت الحكومة وستتأخر اكثر ما دام لبنان الدولة معلقا، لأن اي حكومة تشكل وفق المعطى الراهن لن تكون اكثر من حكومة لوطن معلق، وذلك في انتظار ان يتعقلن مشروع الدويلة قبل ان يجر على لبنان واللبنانيين جميعهم، بدءا ببيئته، نكبة تاريخية.