حكومة لبنان الدولية في حضانة الأمم المتحدة – طلال سلمان – السفير

حُسم الأمر: ستترك مهمة تشكيل الحكومة الدولية العتيدة في لبنان للقاء قمة العالم الذي سينعقد مع افتتاح أعمال الدورة الجديدة للجمعية العامة للأمم المتحدة، في منتصف أيلول المقبل!
رب صدفة خير من ميعاد: فبعد شهر تقريباً سيتلاقى رؤساء الكون بأسره، في مهرجان دولي نادر المثال، من حول الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما لتهنئته بتولي مقاليد القيادة في عالم ما بعد الحداثة..
سيكون هناك قادة أوروبا، بشرقها وغربها والوسط، والرئيسات الجميلات والرؤساء الثوريون في أميركا اللاتينية، والرئيس النووي الإيراني، والملوك والسلاطين والأمراء العرب أصحاب مناجم الذهب والنفط والغاز، ورئيس المعجزة الصينية المتجددة على مدار الساعة، ورؤساء دول أفريقيا سواء تلك المنفجر داخلها بالحروب الأهلية من حول منابع النفط أو تلك المنسية في غياهب فقرها والتي ترى في الحفل الإمبراطوري مناسبة للتذكير بوجودها وبشعوبها التي تلتهمها المجاعات.
إن لبنان الفريد بتحولاته، المميّز بتلاوينه وعناصره المكونة، والذي يختصر في كيانه الصغير الحروب الدينية والطائفية والمذهبية، والذي يجمع فيصهر الثقافات المختلفة ليبدع ثقافة كونية «غير شكل»..
هذا اللبنان الذي يتحدث أهله لغات الدنيا جميعاً ويقتحمون ميدان الصفقات كلها، المشروع منها وغير المشروع، والذي تتجاور فيه الملاهي والمقاهي ودور العبادة وكازينو القمار وبيوت اللهو البريء منه والأعظم براءة..
هذا اللبنان الذي يحمل غالبية مواطنيه جنسيات معظم دول الأرض، فتجد الأب أميركياً والأم كندية والأولاد فرنسيون والعم بريطانياً والخال أنغولياً والعمة إسبانية أما الكنة فبرازيلية، وأما الأحفاد فبعضهم سعودي وبعضهم كويتي.
هذا اللبنان المدوِّل ذاته من حقه أن تكون حكومته الجديدة موضع عناية كبار العالم وأصحاب قرارات الحرب والسلم، الحياة والموت، لأن فيه ـ وهو الوطن الصغير ـ يتقرّر مصير الإنسانية جمعاء!

إنه بلد ـ ظاهرة، تعبر به الحروب الأهلية فتأكل حاضره وبعض مستقبله، لكنه يغدو أكثر جذباً للسياح! سبق أن عاش بمجلس نيابي ظل يمدد لنفسه حتى تبدلت خريطة الصراع الدولي، فانبعثت «دولته» من رمادها، بعد ثلاث أو أربع أو عشر حروب أهلية، شهدت اغتيال أبرز رؤساء الحكومة فيه واثنين ممن انتخبوا لرئاسة الجمهورية، الأول في ثكنة عسكرية، والثاني في مطار عسكري، أما الثالث الذي انتخب في فندق واستضافه العسكر لفترة، ثم بعض المتمولين في مقر مؤقت لفترة أخرى، فقد حكم ولاية ونصف الولاية قبل أن يخلي مكانه لقائد الجيش في «عهده»، والذي سيبقى في القصر الجمهوري لتسع سنوات انفتحت في ختامها أبواب جهنم مع الاحتلال الأميركي للعراق.
كذلك فقد أمكن هذا البلد أن يعيش بلا رئيس للجمهورية لأربعة عشر شهراً، وفي ظل حكومتين متخاصمتين إلا حول المصرف المركزي!
مع ذلك كان هذا الوطن الصغير المنقسم على ذاته قد أنجز تحرير أرضه وأخرج منها عدوه الإسرائيلي بمقاومة باسلة ظلت قادرة على مواصلة جهادها برغم الانقسام من حوله، وهو نتيجة للانقسام الدائم حتى من حول البديهيات والذي يغذيه الجميع، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً وفوق وتحت..
إنه بلد استثنائي بكل المعايير: شعبه رعايا طوائف، ومع ذلك فإن «الفرد» فيه مبدع فناً وكتابة وجهاداً وترويجاً سياحياً وصيرفة ومهرجانات راقصة وتسويقاً وإعلاماً.
في هكذا بلد من يهتم لأمر الحكومة، خصوصاً أن أهله يعرفون أنها سوف تشكل بالنتيجة بعيداً عنهم، ومن فوق رؤوسهم، ووفق منطق التوازنات العربية ـ الإقليمية ـ الدولية السائدة في تلك اللحظة بما يضمن الحياة لهذه الحكومة التي تمثل مجموعة من التوافقات التي سوف تتم بعد مسلسل من المساومات حول تبادل حماية المصالح في هذه المنطقة التي جردها العجز عن مواجهة إسرائيل من هويتها، وبعثر دولها من حول مشاريع «الصلح» الذي يعني أول ما يعني تصفية القضية الفلسطينية وتذويب شعبها بين الداخل وداخل الداخل وفي الخارج وخارج الخارج! وبين الداخل والخارج دول ترتج وتبحث عن أمنها عبر المساهمة في تأمين شروط الثبات والديمومة للأمر الواقع..
ثم… لماذا الحكومة؟ إن التسرع في تشكيلها قد يفسد موسم الاصطياف والسياحة الاستثنائي بتدفقاته النقدية، فيهرب هؤلاء الذين جاءوا إلى بلد مفتوح على مصراعيه، لا يحاسب فيه أحد أحداً على هواياته ومباذله، بل على ما ينفقه فيه بعملته «الوطنية»: الدولار!
وماذا لو أن محطات الكهرباء هرمة أو خربة، أو أن كلفتها عالية، فالمولدات موجودة، وللمراكز السياحية الأولوية المطلقة خصوصاً أن المناطق الأخرى اعتادت أن تكيّف حياتها مع الظلمة.
وماذا لو أن شبكة الاتصالات موضع شكوى. الفضاء مفتوح للثريا وسائر المجرات. والقطاع الخاص قادر على اجتراح المعجزات، فاطمئن!
لبنان هو مدينة العالم. وبديهي أن تكون حكومته شأناً دولياً من الدرجة الأولى.




فلننتظر مهرجان تنصيب أوباما رئيساً كونياً، وعندها يستطيع بإشارة منه أن يلزم الملوك والرؤساء والسلاطين والأمراء بأن يعينوا ممثليهم في الحكومة الجديدة التي يفترض ألا تكون مصدر إزعاج للتوازنات الدولية، ومن ضمنها مشاريع «التسوية» التي يفترض أن تصفي القضية الفلسطينية أما الباقي فتفاصيل تودع في المتاحف إلى جانب «مبادرة السلام العربية».
مع التمني ألا تشاغب تظاهرات التأييد للرئيس المصري حسني مبارك، والتي استؤجرت لها أرصفة المنطقة المحيطة بالبيت الأبيض على احتمالات استيلاد حكومتنا العتيدة في عيد تنصيب الإمبراطور الكوني في النصف الثاني من أيلول المقبل، بحيث يكون العيد عيدين… وهذا أقل ما يستحقه لبنان الذي يلخص العالم!