في الخصوصية اللبنانية… تأليف الخوف وتنظيم التخويف بهدف التوظيف – نصري الصايغ – السفير

أنا خائف إذاً أنا موجود … مع أعداء
سؤال لشيعي. هل أنت خائف برغم النجاح الديمغرافي لطائفتك؟
الجواب: نعم. أنا خائف من السنة وحلفائهم.
سؤال لسني: هل أنت خائف برغم البحر الوافر الذي تعيش فيه؟
الجواب: نعم. أنا خائف من الشيعة وامتداداتهم الإقليمية.
سؤال لدرزي: هل أنت خائف، برغم ادعائك الراجح، بأنك الأصل في جبل لبنان، وغيرك الفرع، وان التاريخ، كما تقول، يبدأ بأمرائك:
الجواب: أنا خائف. التاريخ ليس حصانة ولا هو حصن. والتاريخ لا يحمي أحداً. قد يعرّضه للخطر أكثر ممن هم خارج التاريخ.
سؤال إضافي للدرزي: ممن أنت خائف؟
الجواب: من الجميع. من الجميع طبعاً. من الأقليات الكبيرة والأكثريات الصغيرة. أخاف من السني، عدداً وتطرفاً، ومن الشيعي أعداداً وتسللاً، ومن المسيحي نفوذاً وشيطنة… أنا خائف.
سؤال لمسيحي: هل أنت خائف، وقد كنت على عقيدة أنك أنشأت الكيان، وان لبنان صُنع للموارنة، او صنعه الموارنة.
جواب: أنا خائف لهذه الأسباب وسواها. أشعر ان لبنان الكبير صار كبيراً علينا، ولبنان الوسط خطر علينا، ولبنان الصغير ممتنع علينا. اننا في سفينة بلا بوصلة… والريح الدولية والاقليمية غير مؤاتية.
جواب اضافي: أما ترى ان المسيحية في العراق، بفضل الأميركيين، على وشك الطلاق النهائي مع مهدها الحضاري؟ أما ترى ان المسيحيين في فلسطين، باتوا بعد السبي الصهيوني، على وشك ان يصبحوا ظلالاً لدين مهاجر؟ أما ترى ان المسيحيين في لبنان، يعيشون حالة فقر حال سياسية… ولا تعويض، غير الصراخ والشتات الداخلي.
استنتاج: خلافاً لما هو متداول، من ان اللبنانيين مختلفون على كل شيء تقريباً، إلا أن ما يجمعهم، هو أنهم يخافون من بعضهم. الخوف هو العقيدة اللبنانية السائدة.
استنتاج آخر: الخوف كالتخويف، قد يكون الخوف موضوعياً، وقد يكون مصطنعاً، مبرمجاً، محضَّراً مفلسفاً، مؤدلجاً. وفي أي حال كان التخويف، فإنه ينشئ خائفين.
فيا أيها الخائفون اتحدوا، على الخوف المتبادل. حتى آخر شجاع فيكم.

II من الخوف ولدنا وإلى الخوف نعود
يولد اللبناني، في بيت يربيه على الخوف. يدلّه على الآخر المختلف. ويحقنه بداء العدو، إن كان من غير دينه او مذهبه او طائفته. فعلى ضفاف كل حارة لبنانية، او بالأحرى، كل حارة طائفية، يعيش أعداء، يتربصون بالحارة شراً. من ليس منا، عدو لنا. هو شر بطريقة ما. هو كافر بطريقة ما. هو حقير بطريقة ما، هو قذر بطريقة ما. هو بلا قيم كذلك. هو قاموس الأخطاء والخطايا والرذائل والشرور. وتضاف الى تلك الصفات، صفة الغدر. صفة عدم الاطمئنان.
يولد اللبناني، ويولد معه عدوه، ويولد معه خوفه منه.
حدث ذلك، قبل أن يتكون لبنان الجبل، ولبنان الأقضية الأربعة. ولذلك، عرف لبنان، أنه إنتاج المسألة الدينية وتداعياتها على الأقليات. سلالات اللبنانيين، من خلال انتماءاتهم، تربت على الخوف من الأكثريات الدينية والمذهبية والطائفية. وفي غياب الرابطة الاجتماعية الطبيعية والموضوعية، وغياب الروابط القومية والوطنية، وفي غياب الروابط الروحية والإنسانية، يتحوّل اللبناني، كما سواه في الشتات العربي، إلى وحشٍ كامن. عندما تحضر اللحظة المناسبة، تظهر أنيابه وتنبت أظافره، وهي وليدة قلبه، لا عقله. والقلب العربي، وارث أحقاد دينية ومذهبية، تنبعث منه، عندما يصير الخوف داهماً وواضحاً وقابلاً للفتك.




III المسيحيون يُصلبون في لبنان مرتين…
لم يتعرف اللبنانيون الى عمق معاناتهم بعد. يذكر كتائبي عتيق جداً: نحن المسيحيين أخطأنا في حق لبنان أولاً، وفي حق المسيحيين ثانياً. يشرح ويعترف:
تبلغ المساحة اللبنانية 10452 كلم مربعاً. يعيش في تضاريسها وفوق اراضيها، 18 طائفة + طائفة مستحدثة. كما يعيش فيه بعض الخوارج عن طوائفهم، وهؤلاء لا حساب لهم، مثلهم مثل الفلسطينيين وغير المجنسين والمغتربين المتنازع عليهم. التوزع السكاني في الجغرافيا اللبنانية، يثير الدهشة اليوم. فالمسيحيون وحدهم، دون غيرهم من الطوائف اللبنانية، كانوا منتشرين انتشاراً شمل الأراضي اللبنانية. فهم موجودون في كل قضاء وفي كل دائرة، من عكار (وعندقت) إلى أقصى الجنوب (القليعة) ومن البحر إلى القاع على تخوم بلاد الشام. وهم متواجدون بفعالية في المتحدات الطوائفية. عاشوا مع السنة في الشمال والإقليم وعكار وبعلبك وصيدا وعاشوا مع الدروز في مناطق تواجدهم. في الشوف وعاليه ووادي التيم وراشيا. وعاشوا مع الشيعة في البقاع، كل البقاع. وكانوا يتناصفون في بيروت ويعيشون في أحياء مختلفة. فيما السني لا يجاور الشيعي في قرية او مدينة (إلا ما ندر) ولا يعيش الدرزي مع السني او الشيعي في قرية او مدينة… وقد لا يوجد استثناء وشواذ على القاعدة.
يكمل الكتائبي العتيق: المسيحي بانتشاره، كان أداة وحدة لبنان ونسيج بقائه. على الأقل، بأسبابه الطائفية. ارتكبنا خطأ فظيعاً في بدايات حرب العام 1975. تهجّر المسيحيون، إما بفعل خوفهم المضاف الى تربيتهم، واما بفعل طردهم من أماكن إقامتهم التاريخية. لقد خسر لبنان نسيجه. وكنا السبب. وحضرنا لنزاع سينشأ، بين المذاهب الإسلامية:
فالخوف الذي ورثناه من العهود العثمانية، والخوف الذي ورثناه في الداخل، من «المد الإسلامي» ومن دمشق تحديداً، أعمى بصيرتنا وقدنا لبنان الى خسارتين: خسارة تواجد المسيحيين في كل لبنان، وخسارة السلم الطائفي الذي كان سائداً بين الدروز والشيعة والسنة.

IV بولينغ فور كولومباين … في لبنان
رغب المخرج مايكل مور ان يتعرف إلى أسباب إقدام الأميركي على استعمال العنف، في الداخل الأميركي، وفي العالم. حمل الكاميرا وطاف بها، بحثاً عن الأسباب. امتحن فرضية انتشار السلاح وبيعه بين الأميركيين. وجد ان نسبة تسلح الكنديين أكبر، ومع ذلك، فإن عدد جرائم القتل قد لا تتعدى الثلاث في العام. فيما، كل ثلاث دقائق في مدينة نيويورك وحدها، يقتل ويهدد بالقتل، عدد وافر.
امتحن فرضية أفلام العنف. تبين له، ان افلام العنف مرئية في العالم كله تقريباً، بسبب انتشار وسائل الاتصال، وخرج الى ان الجريمة في السينما لا تؤثر إلا في مجتمعات مهيأة لاحتضان العنف… وبعد طواف وملاحقة، خرج بالنتيجة التالية: الأميركي يقتل، لأنه يخاف. لأنه يتربى على الخوف. وان لا شيء يبدد خوفه غير مسدسه او بندقيته التي يلجأ إليها، كلما قاده خوفه الى سحق العدو المتربص به.
هل ينطبق هذا على حياة اللبناني؟
طبعاً. ألا نشاهد ان عملية النزوح قد اكتملت، ونقاء المناطق، يكاد يصير مبرماً، وان عودة المهجرين مشروع فاشل، وفيلم لبناني كاذب، أنفقت على إخراجه مليارات، وما زال أضغاث عودة؟
ألا نلاحظ أن الجغرافيا اللبنانية، هي بالاسم لبنانية، فيما هي، مناطق محسومة الانتماء، بقاعاً وجنوباً وشمالاً وجبلاً. والمناطق المتنازع عليها سراً… ستكون مسرحاً لحسم جديد قد يطول او يقصر… سيان؟
على هذا الأساس، صارت حبة التراب اللبنانية، ذات هوية، ويخشى عليها. الم يحارب وليد جنبلاط شراء عقارات شيعية في مناطق(ـه)، ألا يحارب المسيحيون بغلو وصراخ، تملك العرب (المسلمين السنة طبعاً). ألا يخشون أيضاً ضياع جغرافيتهم التاريخية وانحسارها الى عقارات مملوكة منهم وتابعة سياسياً لمن يخافونهم؟
لنعد الى أميركا، وهي دولة عظمى وهي دولة مخيفة أيضاً.
في نقاش لروبرت كاغان الأميركي، مع زملائه الأوروبيين، حول «الحرب الاستباقية» وعدالتها، يقدم كاغان المثل التالي، ليشرح الفرق في النظرة بين القارتين. يقول: نحن في غابة. هذا العالم غابة واسعة. تعيش فيها الوحوش المفترسة. وهي مخيفة. وإذا تركت تصبح خطيرة جداً. فلنبحث عن عدونا في هذه الغابة. فلنكتشفه ونقتله قبل أن.. فيما الأوروبي، يوافق على ان العالم غابة قد تسكنها وحوش، فلننتظر ان تعلن عن نفسها قبل ان ننقض عليها».
القاعدة اللبنانية الذهبية: استعدوا أيها الخائفون دائماً. ارسموا سياستكم على الخوف. الخوف هو أوكسجين بقائكم وخرابكم معاً.
أليس كذلك، يمكن تفسير الخصوصيات اللبنانية. ان هذه الخصوصية هي بنت الخوف من الآخر.
الدرزي خائف. الشيعي خائف. السني خائف. المسيحي خائف. الكل خائف… والسبب: الآخر المختلف نقيضي إنسانياً وقيمياً ودينياً وسياسياً وقومياً ووطنياً. الآخر هو نقيض الأنا الطائفي.

V صناعة الخوف والجريمة المنظمة
ليس ضرورياً أن يكون الخوف، لدى اللبناني، موضوعياً. هو يأتي من الوهم المصنوع، من المتخيَّل الشعبي المحضون. الخوف فضاء اللبناني. يضعه في مواجهة الخطر لعدو، لم يرتكب بحقه أي عمل شائن. إنما، استباقياً، قد يرتكب، أو، لا بد من أن يرتكب، وإذا لم… «فالظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلّةٍ لا يظلم». (المتنبي، مترجماً أفلاطون في جمهوريته).
يُصْلي الخائف من يخيفه عدداً لا يحصى من الاتهامات. وهي حديث خرافة. وعليه، فالخوف يولد من رحم مريض. وبلا حبل. هو متخيّل ووهم وكابوس.
هذا الخوف، هو الأساس السياسي الذي تلجأ إليه القيادات الطائفية والإقطاعية وصاحبة المصلحة، لتوظيفه، وليس لإيجاد حل له. الخوف يناسبها، فهي تحتضنه، وتجعله الخبز اليومي، لكل عشاء سياسي سري. هو الخلفية الحاضنة للسياسة، من دون ان تكون السياسة نتاج الخوف مباشرة.
يتقن قادة الطوائف، «الروحيون والزمنيون» معاً، العزف على الخوف. يحولونه الى نعجة، او الى ذئب. لكل حالة وظيفة. وعندما يتحول الخائف الى ذئب، باحث عن عدو، فإنه يجرد الآخر من انسانيته يسفك حياته. (فلتتذكر الخطف على الحواجز. عدم اعادة المخطوفين. القتل على الهوية. التهجير على الهوية. علماً ان الآخر المخطوف، لم يرتكب ذنباً) إذاً، وكنتيجة لحال الاستلاب الاجرامي، يمكن رسم التصور التالي:
الطائفي كائن خائف، يمتلك الشجاعة القصوى، عند استنفار الغرائز، فيتحول الى ديّان وحاكم وقاتل. والآخر الطائفي، محكوم عليه، ليس بسبب ما ارتكب، بل، بحكم طبيعة وجوده التناسلي. وهذا ابشع أنواع العنصريات على الإطلاق. لأن القاعدة هي: «أنت مختلف عني مذهبياً أو طائفياً، فأنت مدان، وعليك الحد الأقصى».
ولدى الطوائفيات، دائماً، «حلول نهائية»، كالحل النازي. إلا انهم عاجزون عن تنفيذها. بعض ما يجري في العراق راهناً، صورة عما جرى في لبنان، منذ عقدين او ثلاثة…
زعماء الطوائف يتقنون لعبة الخوف والتخويف والتوظيف. وهكذا، يسمح الخائف لنفسه بأن يطلب الحماية. فلتحم السعودية سنة لبنان، بعدما حمتهم العثمانية والناصرية ولتحم الشيعة ايران، بعدما تركوا بلا حماية وأهملوا قروناً. ولتحم قوى الغرب (لم يعد معروفاً من) المسيحيين أو من تبقى منهم، إذا كانت حمايتهم نافعة لمصالح الغرب، وليبحث الدروز عن حلف يحميهم: فمن كانت بريطانيا البروتستانتية حامية في القرن التاسع عشر، لن يجد حرجاً في طلب الحماية… ولو من الصين.
وتتكرّس هذه القاعدة في السياسة. لبنان، وطن مؤجر. المقيمون فيه من الطوائف، هم منه وليسوا فيه…
حسناً: لماذا لا تحمي الدولة أتباعها؟
جواب: لأن الطوائف استولت على الدولة، ولم يتركوا منها إلا الفتات. الدولة تحمي جماعاتها. أما هنا، فهي بحاجة الى حماية من الطوائف. والطوائف مطمئنة الى ان الخوف على الصلاحيات او الإدارات او الجــغرافيا او التــعليم او الاستشفاء، لا يمكن ان تداويه الدولة التي أعطيت أذناً بالخروج من لبنان، منذ تأسيسه.

VI خلاصة تحتاج إلى توسيع
خوف اللبناني كذبة. كذَّبها وصدّقها. كذبة تناسبه. كذبة مرعية ومحروسة ومعقدنة. كذبة تكتب فيها الاطروحات الجامعية، كذبة لبنان الملجأ. كذبة لأكثرية تفوقها كذباً.
خوف اللبناني، زوَّر القيم، ورسم سلّم أولويات تقول: دفاعاً عن المجتمع المسيحي، دفاعاً عن القضية الشيعية ومواقفها، دفاعاً عن الصلاحيات المعطاة للسنة، دفاعاً عن لا شيء.
اللبنانيون، يعتقدون انهم من نسل العباقرة… هذا «تفنيص» طائفي. اللبناني، كائن خائف وشجاعته تستنفر عندما يطلب منه زعيمه تفريغ جنس الخوف في الضحية.
هل الخوارج عن الطوائفيات خائفون؟
ليتهم. لأن خوفهم مشروع. ولكنهم للأسف، بعدما تحوَّلت العقائد اليسارية والشيوعية والقومية والـ.. الى آلات حاسبة لمنسوب خوف الطوائف. صارت مهمتها، طمأنة هذه الطوائف على مصيرها.
بئس حالتي وحالتنا.