//Put this in the section

ماذا لو استقال جنبلاط من ١٤ آذار قبل الانتخابات؟ – نبيل هيثم – السفير

سلـّم الرئيس المكلـّف سعد الحريري على مضض بالتعديلات, التي فرضها انفصال حليفه القديم وليد جنبلاط عن «14 آذار», على خارطة التحالفات الداخلية. وسمع بأم أذنه الأسباب التي حملت رئيس التقدمي على تقديم استقالته من «ثورة الاستقلال», والقول بأن الحريري هضم او تفهـّم تلك الأسباب, ينطوي على مجازفة كبيرة, خصوصاً أن لقاء الرجلين الاول بعد الانقلاب يقرأ من تقاسيم الوجوه.

لم يعتقد الحريري يوماً أن تنحدر علاقته بجنبلاط الى هذا المستوى من التفسّخ, ولا ظنّ أنه سيتلقى الصدمات من هذه الجبهة الآمنة, ولذلك يشعر بمرارة «الحدث البوريفاجي», ومفاعيله التي ضربته في العمق, وفي لحظة شديدة الحسم من تاريخه السياسي, وفي ذروة بناء قاعدته الحكومية الاولى للوقوف على ارض سياسية صلبة في المستقبل. ومن هنا كانت الضربة صعبة جداً عليه, لكنه وجد نفسه مضطراً في النهاية للتكيّف مع انقلاب جنبلاط والتعايش مع لغة الخسائر التي أحدثها, وأولويته حالياً هي تركيز الجهد على إعادة ترميم الجسد السياسي الذي أصابته التشوّهات, وتحصين عناصر القوة المتبقية, والحد من الانهيار والوهن الذي أصاب الوزن السياسي.
على أن المثير لريبة الحريري وفريقه, ليس استقالة جنبلاط من «14 آذار» وانتقاله إلى جبهة الخصوم, خصوصاً أن هذه الاستقالة أسس لها «الحليف القديم» باستدارات تمهيدية متعددة, بل ان المريب هو توقيت الاستقالة في لحظة مخاض حكومي حساس. فثمة قناعة راسخة في محيط الرئيس المكلف بأن خلف الأكمة «أمر ما», وأن جنبلاط وامام السؤال المطروح حول التوقيت لم يعط جواباً دقيقاً وواضحاً او مقنعاً, ويقال ان الوزير السعودي عبد العزيز خوجة سعى جاهداً خلال وجوده في بيروت لحل هذا اللغز, ولم يوفق.
يؤخذ على جنبلاط في هذا الجانب, أنه كان في إمكانه تأجيل خطوته إلى ما بعد تشكيل الحكومة, ومؤتمر الحزب التقدمي كان يحتمل التأجيل, وانه كان في إمكانه أيضاً التعجيل بهذه الخطوة قبل انتخابات 7 حزيران, وثمة من نظـّر في هذا الفريق عن إمكانية خسارة جنبلاط الانتخابات فيما لو خرج من «14 آذار» آنذاك.




في تقدير مرجع سياسي ان خروج جنبلاط كان محسوماً من «14 آذار», ولكنه قرر مسبقاً وبقدر كبير من الدهاء والإدراك السياسي الا يقوم بخطوته قبل الانتخابات النيابية, او بعد تشكيل الحكومة, اذ ان حصولها ما قبل الاولى او ما بعد الثانية, يفقدها أكثر من 80% من دويها وزخمها السياسي, ولذلك يبدو انه اختار التوقيت بعناية استثنائية تنمّ عن تمايزه عن كل المدرسة الحالية من مياومي السياسة اللبنانية, ما أنتج وقعاً ودوياً أضعاف أضعاف أي دوي كان يمكن ان يحدث فيما لو حصلت الخطوة في غير هذا التوقيت.
يتقاطع رأي المرجع السياسي, مع قناعة يبديها مواكبون عن كثب لموقف جنبلاط, وتناقض ما يبديه حلفاؤه القدامى, وتفيد بأن رئيس التقدمي قد يكون قدّم خدمة جليلة لـ«14 آذار» بعدم خروجه منها قبل الانتخابات. فخروجه آنذاك كان يعني بالضرورة تبدل التحالفات وتغيّر المزاج الانتخابي الذي حقق الانتصار لـ«14 آذار», وبالتالي الوصول إلى نتائج كارثية على حلفاء جنبلاط القدامى في «14 آذار». ففي الشوف (8 نواب) وفي البقاع الغربي (6 نواب) واللتين شكل فيهما الصوت الدرزي نقطة الحسم, فضلاً عن ربحه مقاعد إضافية في عاليه وبعبدا, ولنفرض أن ربح جنبلاط في الشوف 6 نواب, وفي البقاع الغربي نائبين والمعارضة ربحت 4 نواب, وفي عاليه ربح جنبلاط 4 نواب والمعارضة 1 وفي بعبدا ربح جنبلاط 1 وربحت المعارضة 5, يعني أن جنبلاط سيحصد 13 نائباً والمعارضة 10 نواب, وتخسر 14 آذار 6 في البقاع الغربي وواحداً في عاليه, ما يعني ان انتصارها الذي حققته كان يمكن أن يتحول الى هزيمة نيابية نكراء فيما لو تقدمت خطوة جنبلاط على الانتخابات. ولذلك, والكلام للمواكبين لموقف جنبلاط انه لم يغدر بحلفائه كما يصورون ويروجون, ولم ينقلب عليهم, بل على العكس, كانت حركته واضحة أمام أعين الجميع على مدى السنتين الماضيتين, واستداراته كانت منظورة بشكل خاص من قبل حليفه الحريري وكل «14 آذار».

ما تقدم يقود الى السؤال التالي: ماذا تفرض المستجدات حكومياً على الرئيس المكلف؟
الواضح من محيط الحريري انه قرر إطلاق عجلة التأليف بمعزل عن التصدّع السياسي الذي ضرب جبهة الأكثرية, انما على قاعدة «التأني وعدم التسرّع» وصولا الى حكومة الائتلاف الوطني كما سمتها كتلته النيابية. ولا ينبئ محيط الحريري باستعجال, بالنظر إلى عدم القدرة على تجاوز معادلة الـ15/10/5, او استبدالها بمعادلة أخرى تتجاوز تداعيات انقلاب جنبلاط.
في تقدير مرجع سياسي ان الحريري, الذي يبدو انه يسير وفق خارطة وضعها لحركته الحكومية, ومن دون سقف زمني, وطالما ان الاعتذار عن تشكيل الحكومة, قد تم استبعاده نهائياً من جانب تيار المستقبل وحلفائه, فإنه لا يستطيع ان يستمر طويلاً في المراوحة القائمة, والوقت الضائع بالاشتباك السياسي حول عناوين سطحية مختلفة, وبالتالي بات المسار محددا ومحصورا في اتجاه واحد, أي نحو النقاش الجدي الذي لم يبدأ بعد, وانتقال الحريري الى الموقع الذي يخلع فيه تأثيرات الانقلاب, ويلبس لبوس الزعيم الواقعي, وبما انه وصف نفسه بـ«ابو الهول», فمعنى ذلك أن هذا الوصف يفرض عليه ان يجسد واقعياً هذا الوصف بما يتجاوز كل الأثمان التي يمكن ان تدفع مهما كانت باهظة