بين المختارة والملك عبد اللّه: أوّلها مداواة بالأعشاب وآخرها تحالف – نقولا ناصيف – الأخبار

سارعت السعودية بعد 48 ساعة من إعلان رئيس الحزب التقدّمي الاشتراكي وليد جنبلاط انفصاله عن قوى 14 آذار (2 آب)، إلى احتواء خلافه مع الرئيس المكلف سعد الحريري. التقاه موفد الملك عبد الله الوزير عبد العزيز خوجة (4 آب)، وذُكِر أنه رمّم علاقات الرجلين في أول أزمة دقيقة يصدفانها منذ قادا قوى 14 آذار قبل أربع سنوات في مواجهة سوريا. لكنّ الأزمة العلنية بينهما لم تكتم انتقادات، قاسية أحياناً، كانا يسرّان بها لبعض زوارهما، أحدهما حيال الآخر، منذ ما قبل انتخابات 7 حزيران. وظلّ تناقض وجهتي نظرهما حيال المرحلة التالية للانتخابات، وبإزاء حلفائهما في قوى 14 آذار، وخصوصاً حزبي الكتائب والقوات اللبنانية، مطوياً إلى أن اختار الزعيم الدرزي لنفسه خياراً معاكساً حضّر حلفاءه له، فلم يصدّقوه.
ورغم أن المطلعين على علاقتهما يتحدّثون عن مبرّرات وفيرة للتباين، احتفظا بصداقتهما الشخصية وبصداقة مشتركة مع السعودية. لم يورث أحدهما الآخر إياها. الحريري الابن ورثها من والده الرئيس الراحل رفيق الحريري، وجنبلاط الابن من والده الراحل كمال جنبلاط.

وهكذا تنظر الرياض إلى علاقتها بهما على قدم المساواة في الغالب. وتجدهما حليفين موثوق بهما لها مذ قرّرت، بعد اغتيال الحريري الأب، أن تكون طرفاً مباشراً في الصراع السياسي في لبنان، لها وجهة نظر يمكن أن تتعارض مع ما يقول به فريق من اللبنانيين، وتصطدم بالضرورة بما تفكر فيه سوريا في هذا البلد. الأمر الذي كانت قد تفادته سنوات طويلة. حتى في سني الحرب رغبت باستمرار في الاحتفاظ بدور الوسيط بين الأفرقاء اللبنانيين ليس إلا، بدءاً من أيام اللجنة الرباعية العربية العليا عام 1977، وكانت عضواً فيها عبر سفيرها علي الشاعر، وانتهاءً برعايتها اتفاق الطائف عام 1989. وفي السنوات الـ15 الأخيرة من الحقبة السورية، لم تشأ التحوّل طرفاً ولا استفزاز دمشق. لكنها أضحت الآن مفاوضاً مباشراً لها وشريكاً في تسوية الوضع اللبناني، وعدّت نفسها معنية بالانتخابات النيابية الأخيرة وبانتصار حلفائها في قوى 14 آذار. ومع أن الملك سمع من الرئيس السوري بشار الأسد في آب 2006 نبرة حادة، فإن الأخير سمع من جنبلاط مراراً في كل ذكرى لـ14 آذار، دفقاً من عبارات وتراكيب وتشابيه قاسية. قادت الأفرقاء الثلاثة ـــــ أو كادت ـــــ إلى مصالحة تقلب صفحة الماضي وتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات المتبادلة.




لم يخفِ ذلك علاقة مميّزة جمعت جنبلاط بالملك عبد الله، وولّدت بينهما صداقة تعود إلى 36 عاماً. كان الملك لا يزال حينذاك أميراً ورئيساً للحرس الوطني في عهد الملك فيصل. اعتاد الاصطياف في عاليه في فندق كان يملكه عارف يحيى الذي صحبه يوماً إلى منزل جنبلاط الأب في المصيطبة بعدما بلغت الأمير سمعة جنبلاط في جانب غير سياسي من حياته، هو اهتمامه بالقمح والأعشاب لمداواة الأمراض. كتم يحيى سرّ الأمير على الزعيم الدرزي الذي أصغى إلى «رجل الأعمال السعودي» وما يعانيه من ألم. هكذا، ببساطة، نشأت علاقة بين المملكة وجنبلاط الأب الذي اعتاد لسنوات مهاجمتها، وخصوصاً قبل وفاة الرئيس جمال عبد الناصر، منحازاً على امتداد النصف الثاني من الستينات إلى الأخير في صراعه على زعامة العرب مع الملك فيصل. بعد أيام قصد الأمير عبد الله مجدّداً جنبلاط في المختارة شاكراً له اهتمامه به، معرّفاً عن نفسه، وحاملاً دعوة رسمية لزيارة المملكة ومقابلة الملك. كان جنبلاط الابن، في الرابعة والعشرين، في عداد وفد الحزب التقدّمي الاشتراكي.
كانت تلك أيضاً أول معرفة الابن بالمملكة.

في السنوات التالية، وحتى اغتياله في 16 آذار 1977، توطدت علاقة الأمير عبد الله بكمال جنبلاط، فكان يزروه في المختارة كلّما صيّف في لبنان، أو يوفد إليه أحد اثنين من القريبين منه، نائبه عبد العزيز التويجري أو مستشاره أبو عبيدة الشيباني. عندما اغتيل قال الأمير عبد الله لنجله وقد لبس عباءة الزعامة، وشاع أن سوريا وراء الاغتيال، إنه لن يزور سوريا إلا بعد أن يزورها الابن. وإذا رفض جنبلاط الابن زيارتها، سيفعل الأمير عبد الله ذلك أيضاً رغم علاقة وثيقة كانت جمعته بقائد سرايا الدفاع شقيق الرئيس السوري رفعت الأسد. بعد أربعين الأب، زار الابن دمشق وطويت صفحة الشكوك والاتهامات. ولاحقاً زارها الأمير، وهو يتقدّم في المناصب في العرش السعودي، ظلّ يحتضن جنبلاط الابن ويعزّز صداقته به قبل أن تولد صداقة الحريري الأب به على أبواب زيارة ولي العهد السعودي لبنان في حزيران 1998. كان الحريري الأب حينذاك أقرب إلى الملك فهد.
التقى الحريري الابن وجنبلاط الابن على صداقة الملك عبد الله الذي راح يرى فيهما، وفق مطلعين على علاقاتهما، ميزان دور سعودي لا يغلّب أحدهما على الآخر، ويجدهما معادلة مناسبة لصدّ النفوذ السوري في لبنان. كان ذلك مغزى دور الرياض بين عامي 2005 و2008 قبل أن يقرّر الملك في 19 كانون الثاني 2009، في القمة الاقتصادية في الكويت، مصالحة الأسد، وكان قد احتضن السنوات الأولى من وجوده على رأس سوريا.

بذلك لم تفضِ المهمة العاجلة لخوجة لبيروت إلى ما كان يرغب فيه بعض المحيطين بالرئيس المكلف، وهو «ترويض» الزعيم الدرزي ومحاولة استعادته إلى قوى 14 آذار. فإذا بخلاصة المهمة إصرار جنبلاط على نبذ حلفائه المسيحيين، والمحافظة على تحالفه مع الحريري، وكلاهما قرّر الذهاب إلى سوريا بعد تأليف حكومة الوحدة الوطنية.