أين أخطأ جنبلاط وأين أصاب؟ – محمد علي مقلد – النهار

كان ينبغي أن يحتشد جمهور 14 آذار في ساحة الشهداء في ذلك اليوم التاريخي، ردا على من تجمعوا في الثامن من الشهر ذاته تحت شعار "شكرا سوريا". والاحتشاد كان مبررا ضد النظام الأمني اللبناني – السوري، في حينه، لا ضد سوريا، بصرف النظر عما كانت ستؤول إليه أعمال المحكمة الدولية. وإن لم يكن مبررا فهو، على الأقل، كان حدثا يمكن الاستفادة منه لتعزيز الشعور بالانتماء الوطني ضد حكم الوصاية السوري، وكان يمكن أن يكتمل ويتكامل مع حشود الفرح بتحرير الجنوب من الاحتلال الاسرائيلي (مرة أخرى ننبه إلى أننا لا نساوي بين العدو والصديق، لكننا نرغب في أن يتساوى اللبنانيون في شعورهم بالانتماء إلى وطن سيد حر مستقل، لا احتلال في أرضه ولا وصاية على شعبه).
14 آذار كانت ضرورة لأنها جسّدت الوحدة الوطنية بأبهى صورها، وجسّدت رغبة المحتشدين من كل الطوائف والمناطق في تحرير بلدهم من سياسة القتل المجاني التي بدأت بالشهيد الكبير كمال جنبلاط قبل ثلاثين عاما. ولم يعكر هذه الوحدة إلا غياب "حزب الله" عنها، المتضرر أكثر من سواه، أو مثل سواه على الأقل، من نظام الوصاية السوري، لكنه كانت له حساباته الخاصة التي تحتاج إلى نقاش آخر.
غير أن قيادة 14 آذار لم تكن على مستوى الضرورة تلك ولا على مستوى طموح جمهورها، فارتكبت خطأها الأول حين اعتقدت أن الأزمة اللبنانية تجد طريقها إلى الحل بمجرد خروج القوات السورية من لبنان، فتصورت أن مهمتها الأساسية، بالتالي، هي إخراجها، أو أنها صورت نفسها في حينه كأنها هي بطلة إخراجها، ووظفت حجمها الجماهيري الضخم في هذا الاتجاه، ولم تنتبه إلى تفصيل "صغير" جدا وهو أن سوريا دخلت بقرار عربي ودولي وخرجت بقرار مماثل. إذن كان على قيادة 14 آذار أن توظف خروج سوريا لا أن تتبناه كأنه صنيعتها، وهذا لا يقلل من دور جماهير 14آذار ولا من حجم التضحيات اللبنانية التي توجّها استشهاد الرئيس الحريري ورفاقه (جنبلاط رأى باكرا وصرح متأخرا أن دم الحريري هو الذي أخرج الجيش السوري).

ثم ارتكبت خطأ ثانيا حين تماهت، ومعها الحكومة اللبنانية، بمجلس الأمن ومؤسسات الأمم المتحدة، والقوى النافذة فيهما، فبدت كأنها واحدة من المؤسسات التابعة لها في لبنان، وصار همها الأساسي التعجيل في إجراءات تشكيل المحكمة الدولية ومتابعة التحقيق الدولي، وركزت نشاطاتها وخطابات قادتها وقرارتها السياسية الكبرى في هاتين المسألتين: خروج سوريا والمحكمة الدولية. على أهمية الدور اللبناني في تسهيل شؤون المحكمة، أغفلت قوى 14آذار أن، المحكمة هي الأخرى، شُكلت بقرار دولي، وكان ينبغي أن يُترك لمن قرر تأمين موجبات تنفيذ القرار، كما كان ينبغي ألا تُعلق الآمال بالطريقة التي علقت بها، لأن للدول الكبرى مصالح وقراءات قد تختلف عن مصالحنا وقراءاتنا.
ترتب على هذه الخطأ الثاني اعتقادها أن حل الأزمة اللبنانية مرتبط بالمحكمة الدولية وبالقوى الكبرى التي كانت وراء تشكيلها فتلبّستها تهمة "العمالة" لقوى "الاستكبار" العالمي، والإمبريالية والاستعمار والصهيونية، الخ.و ظلت التهمة تكبر وتنمو تحضيرا للسابع من أيار حيث نجح حلفاء سوريا في تصوير قيادة 14 آذار، عن غير وجه حق، متآمرة على الوطن وعلى المقاومة وعلى العروبة وعلى القضية الفلسطينية، الخ. وحشرتها في زاوية التفريط بالقضايا القومية الوطنية، الخ.
كل ذلك أشار بوضوح إلى ثغرة كبيرة في المشروع السياسي لقوى الرابع عشر من آذار، منها نفذ خصومها، وهي ثغرة أصابت مقتلا في شعار السيادة والاستقلال، وهي الثغرة ذاتها التي وقع فيها جنبلاط حين انقلابه الأخير على قوى 14 آذار، إذ لا سيادة في أي وطن من غير وجود وطن، ومن غير وجود دولة، لأن الدولة هي التي تكون، نظريا، صاحبة السيادة ومجسدتها ورمزها. لقد كان يسود الاعتقاد لدى قيادة 14 آذار بأن الذي ينقص لبنان في حينه، ليكون حرا وسيدا، أن تخرج سوريا من لبنان. غير أن العطل الأساسي في التركيبة اللبنانية يتمثل في كون القوى السياسية، جميعها من دون استثناء، غير مقتنعة بأن لبنان وطن نهائي لجميع ابنائه، أو في كونها، جميعا أيضا دون استثناء، تستسهل استدراج القوى الخارجية لمواجهة مشاريع خارجية، وبما أن لكل خارج وكيلا لبنانيا فمن الطبيعي أن تتصادم المشاريع الخارجية بالواسطة أو بالوكالة في ما يشبه دائما الحرب الأهلية.
صار من المنطقي أن يفسّر التركيز على الخروج السوري بأنه انحياز إلى خصوم سوريا في الخارج، كما صار من الطبيعي أن ينبري خصوم خصومها في الداخل للدفاع عنها، فكان انبعاث الحركة الموالية لسوريا، ليستمر الصراع في لبنان بين مشاريع خارجية، ويغيب العنوان الأصلي، أي تأمين الشرط الأساسي لقيام الوطن السيد الحر المستقل، نعني بهذا الشرط، الوحدة الوطنية في مواجهة كل المخاطر الخارجية.




الانقسام الآذاري هو، من غير شك، تجسيد للأزمة ولاستمرارها لأنه تجسيد للانقسام الوطني، إذن، لا بد من كسر حلقة الانقسام بإلغاء خطوط التماس السياسية القائمة بين الجبهتين، والتي تحولت في أكثر من مناسبة إلى خطوط تماس عسكرية طائفية ومذهبية، في أحداث الجامعة العربية ومقتل الزيادين وحوادث مار مخايل والسابع من أيار، الخ. من هذه الزاوية كان لا بد من مبادرة، وجنبلاط هو السّباق دوما إلى البحث عن جديد، وهذه من فضائله ومن ميزاته، وكان الانقلاب الذي بشّر به منذ فترة سبقت الانتخابات النيابية، لكن! لكن هذا الانقلاب، على أهميته وضرورته، يشبه كل الانقلابات التي حصلت في منطقتنا، منذ خمسينات القرن الماضي.إنه انقلاب من غير برنامج، أو أنه انقلاب يعتمد البرنامج القديم ذاته ولا يبدل إلا رجاله، إذن هو انقلاب "كان ينبغي تفاديه".
يظهر ذلك من ردود الفعل على الانقلاب. اتباع سوريا وفريق8 آذار رحبوا وهللوا وجزموا بأن هذه الاستدارة ترمي إلى رأب صدع العلاقات مع سوريا. لكن المفاجئ هو أنها لم ولن تؤثر على طبيعة المواقع السياسية، بما في ذلك موقع جنبلاط نفسه، الذي، حتى لو لم يبادر إلى توضيح قراره صراحة، لن يبدل، على ما نقدر، موقفه من تيار المستقبل ومن الشهيد الحريري ومن الرئيس المكلف، والذي، حتى لو تمكن من تشكيل جبهة جديدة "وسطية أو ثالثة" لن يتمكن من كسر حلقة الانقسام، بل إن ما يفعله ليس سوى إعادة صياغة الانقسام على أسس تحالفية جديدة أو متجددة. كسر الانقسام لا يكون مجديا إلا إذا استند إلى برنامج جديد عنوانه الوحدة الوطنية اللبنانية في مواجهة كل العوامل الخارجية، وبالتالي فلن يكون مجديا أن نبحث عن عاصمة خارجية موالية أو داعمة لنستبدلها بأخرى، أو أن نستبدل الشعارات كما يقول الشاعر الماغوط: آه لو نتبادل الأوطان كالراقصات في المقهى!
العودة إلى العروبة وفلسطين! لماذا يدين جنبلاط نفسه من غير أن يدري، وعن غير حق، فقط في خطوة متسرعة وغير مدروسة. أين كان قبل العودة؟ هل ليؤكد ما قاله خصومه عنه في عز الصدام بين المشروعين الآذاريين؟ إننا نحن العروبيين نذكره بأن عروبة لبنان ليست رديفا للوصاية السورية ولا للعروبة غير الديموقراطية ولا للأصوليات الدينية المتغلغلة في كل البلدان والأديان.
كذلك فإن العروبة كانتماء حضاري شيء والحركة القومية، التي كنا وكان جنبلاط جزءا منها، شيء آخر. هذه الحركة التي ما زالت تراكم هزائمها من مطلع القرن الماضي، وتفرض على الشعوب العربية أثمانا باهظة لممارسة كل صنوف الاستبداد. وإذا كان لا بد من انقلاب قومي ويساري وتقدمي واشتراكي فهو على المضمون البالي لمشاريع الحركة القومية التي فرّطت بفلسطين وبالوحدة العربية وبوحدة كل قطر من أقطار الأمة ووضعت بلدانها أمام خيارين لا ثالث لهما، إما الاستبداد وأنظمة الاستخبارات وإما الحروب الأهلية، ووظفت طاقات الأمة البشرية وثرواتها في بناء جيوش تقاتل ضد شعوبها وتحمي الحكام وتدمر دولة الحريات والديموقراطية.
أما العودة إلى فلسطين فأمر أكثر تعقيدا. ذلك أننا، نحن اليساريين، ناضلنا، بقيادة كمال جنبلاط، من أجل فلسطين، فتعلمنا من التجربة أن علينا ألا نكون أكثر فلسطينية من الفلسطينيين، أي أن نناضل معهم من أجل استقلال قرارهم. وألا نناضل بديلا منهم أو نيابة عنهم، وأن نحترم خياراتهم ونقف وراءهم لا أن نزايد عليهم، لأن كل مزايدة هي تفريط بوحدتهم الوطنية، وهذا ما بيّنته حالتهم، إبان وحدتهم الوطنية ثم بعد تصدعها في أحداث غزة التي سبقت العدوان الاسرائيلي عليها.
العودة إلى اليسار، هي الأخرى، تحتاج إلى تمحيص، فأين اليسار وأين اليمين، بعد كل الذي حل بيسار البشرية ويمينها واختلاط الحابل بالنابل؟!هل هي عودة إلى الحركة الوطنية التي هلل بعض أطرافها " لعودة الإبن الضال"؟ وهل إذا عاد الإبن الضال يبقى اليساري يساريا؟ أم أن معيار اليسارية هو الآخر محكوم بالعلاقة مع الشقيقة ؟ وهل مشروع الشقيقة ما زال مشروعا يساريا؟
إن اليسار الحقيقي اليوم ليس ذاك الذي يناضل من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية لشعب لا وطن له، ولا هو ذاك الذي يناضل من أجل قضايا سواه من الشعوب والأوطان. اليسار الحقيقي هو ذاك الذي يستحضر من تاريخه الناصع ما يساعده على بناء وطن يمكن أن يعيش فيه اليسار واليمين ويتصارعا ويتنافسا من أجل التقدم. فالتغيير الفعلي الممكن في هذا العصر( الذي لم يعد عصر الانتقال إلى الاشتراكية) هو التغيير من داخل النظام الرأسمالي لا تغيير النظام الرأسمالي، إلى أن تتمكن القوى الاشتراكية من إعادة صياغة مشروعها أو أي مشروع آخر "يتجاوز " الرأسمالية، على حد تعبيير الاشتراكي سمير أمين.
أما الطبقة العاملة، يا رفيق وليد، فهي، إن لم تكن تملك وعيا سياسيا علمانيا ديموقراطيا، لا تعدو كونها شرائح طائفية ومذهبية، تصطف عند اول منعطف خلف القوى التي مزقت جسد الوطن والطوائف.

أما حماية الطائفة الدرزية، وهي أقلية الأقليات؟! فمن البديهيات التي أفرزتها نتائج الحروب الأهلية المتعددة في لبنان، أنه ما من أقلية تستطيع أن تحمي نفسها بقوة خارجية. المارونية السياسية، وهي ناطقة باسم أكبر الاقليات، دمّرت باستدراجها الخارج واعتمادها عليه، أول ما دمرت، الأقلية التي زعمت أنها تدافع عنها وتحميها، والشيعية السياسية قد تنزلق هذا المنزلق إن لم تتدارك نفسها قبل فوات الأوان، أي قبل أن تسعى القوى الخارجية إلى توظيف دورها الداخلي في خدمة المشاريع الخارجية، التي أيا كان المنتصر فيها، يكون الخاسر الوحيد هو الوطن، لبنان. إن السبيل الوحيد، إذن، لحماية أية أقلية لبنانية هو اعتبار الوطن القضية الأولى التي لها الأولوية على ما عداها من قضايا قومية وأممية ودينية، الخ. بهذا المعنى، يكون الانقلاب مجديا إن هو سعى وراء مشروع سياسي همه إعادة بناء الوطن والدولة، وليس إعادة بناء خريطة التحالفات. ذلك أن رئيس الجمهورية الذي ذكر اسمه وموقعه كنقطة استقطاب للقوة الثالثة، على أهمية دوره المعنوي، ليس هو من يصنع القوة الثالثة ولا هو من يعدل موازين القوى، بل إنه هو القادر على أن يستفيد منها ويوظفها في مصلحة مشروع الدولة.
 وأخيراً، ماذا عن حلفاء الأمس؟ وما الداعي لتغيير خريطة التحالفات، ما دام لا يوجد تغيير ملموس في طبيعة المشروع السياسي الداخلي وما دام الدافع الأساسي لتغيير التحالفات الداخلية هو دافع خارجي؟ هذا خطأ اكثر فداحة! لأن تكتل 14 آذار نشأ، وربما من غير قصد ومن غير سابق تصميم، على أساس شعارات داخلية، عنوانها السيادة والحرية والاستقلال، وهذه كانت نقطة قوة الحركة "الاستقلالية". ومما لا شك فيه أن هذه الحركة كانت تشكو من نقاط ضعف كثيرة، غير أن الانقلاب الجنبلاطي، ويا للأسف لم يحصل بدافع الاعتراض على سلبياتها، بل حصل ضد هذه الإيجابية الأصلية التي ميزتها عن سواها من التحالفات. نقول ذلك بالرغم مما تعرضت له من تشوهات بعد انخراطها إلى ما فوق أذنيها في لعبة الصراعات الخارجية.
فضلا عن ذلك، يذكر جميع المشاركين في 8 و14 آذار أن القوى السياسية اللبنانية كلها كانت، بنسب متفاوتة، جزءا من النظام الأمني اللبناني – السوري، إلى أن وقع اغتيال الرئيس الحريري.

الموقف الصحيح الوحيد الممكن، في تلك اللحظة، هو الانتصار لدم الحريري، وهو موقف مطلوب من مؤيدي مشروعه الاقتصادي ومن معارضيه على السواء، لأن القضية، في تلك اللحظة، لم تكن قضية لقمة العيش اليومي للمواطن، ولا مقارعة الامبريالية والنظام العالمي الجديد، ولا محاربة "الرأسمالية المتوحشة"، بل هي قضية الدفاع عن مشروع الوطن وعن حريته وعن حرية كل مواطن فيه. من لم يقف، في تلك اللحظة، هذا الموقف لم يكن معاديا للحريري فحسب، بل للوطن. أما بعد ذلك فصار أفضل انتصار لدم الحريري وكل الشهداء، هو العمل على بناء مشروع الدولة، وهو ما لم تكن حركة 14 آذار مهيأة له ولا عملت بعد ذلك في سبيله، وجنبلاط واحد ممن قصّروا في هذا المضمار مثلما قصّر سواه من حلفائه (لأن همهم كان منصبّا على أمر آخر). وبما أن الانقلاب لا يمكن، أخلاقيا وسياسيا، أن يكون ضد الانتصار لدم الحريري، فهو بدا كأنه انقلاب على مشروع الدولة الذي راحت قوى 14 آذار تتلمسه وتنادي به من غير خطة ملموسة، إلى أن رفعه تيار المستقبل شعارا سياسيا لكتلته النيابية (لبنان أولاً) وسارع جنبلاط إلى الاعتراض عليه. ولأننا لا نعتقد انه انقلاب على مشروع الدولة، فهو إذن مجرد قفزة في المجهول، كان "ينبغي تفاديها".
من ناحية أخرى، إذا كان هناك من حاجة إلى تفكيك جبهتي الانقسام الآذاري فلأنهما وقعتا في خطر استدراج الخارج أو الاستقواء به، وليس لأي سبب آخر. فهل سيتوفر على جبهة الثامن من آذار من يلاقي جنبلاط في منتصف الطريق؟ وهل في تلك الجبهة من يتجرأ على تبني شعار "لبنان أولا"؟ لا بأس لو ذكرنا الرفيق وليد بأن ردة الفعل على انهيار الاتحاد السوفياتي في صفوف حلفائه يومذاك من القوى القومية العربية، وفي صفوف القوى الأصولية واليسارية أيضا، وكلهم نسخ مزيفة من الستالينية، ونسخ أصيلة من الاستبداد والقمع والاستخبارات، تمثّل في اعتقادها بأن ذاك الانهيار كان دليلا على صحة مواقفها من الشيوعية والرأسمالية ومستقبل البشرية. واليوم لن تستنتج غير ما استنتجت، أي أن وليد جنبلاط وحلفاءه كانوا على خطأ في كل سلوكهم حيال سوريا وحلفائها في لبنان وأنه اليوم في طريقه إلى الاعتذار عن ماضيه! إننا نعتقد أن ذلك، في حال حصوله، سيكون أكثر كلفة من كل الأثمان التي تكبدتها 14 آذار منذ اغتيال الحريري حتى اليوم.

أما بعد، ليس في ما قلناه دعوة إلى التمسك بشكل الانقسام الحالي وخطوط التماس التي رسمها، بل على العكس تماما. فالتفكيك ضرورة، لكن على جانبي الانقسام، وعلى اساس مشروع سياسي جديد من ثلاثة عناوين:
الأول، هو تأمين الإجماع على نهائية الكيان اللبناني، في وجه كل المشاريع الأخرى المافوق وطنية (القومية والدينية والأممية) والمادون وطنية (الانعزالية والمذهبية والطائفية)، وبالتالي العمل على ترسيخ الوحدة الوطنية اللبنانية وبناء الدولة السيدة على حدودها وداخل حدودها؛
الثاني، هو الاتفاق على مضمون للعروبة لا يلغي هوية لبنان الديموقراطية، ولا يحمّل لبنان فوق طاقته من المسؤوليات حيال القضايا القومية ولا سيما القضية الفلسطينية؛
هذان العنوانان يتطلبان حوارا صادقا وشفافا ومصارحة وتخليا حازما عن كل المشاريع التي تتعارض مع مشروع إعادة بناء الوطن والدولة، ومن الممكن أن تساهم المبادرة الجنبلاطية (وليس الانقلاب) في هذا الحوار الذي ينبغي أن يتوج في مؤتمر برئاسة رئيس الجمهورية؛
الثالث، هو البحث عن صيغة لإصلاح النظام السياسي اللبناني، انطلاقا من اتفاق الطائف، وبما يؤمن المساواة بين اللبنانيين على أساس المواطنية لا على أساس انتماءاتهم الطائفية، ومدخل هذا الإصلاح نظام تمثيل سياسي وقانون انتخابات عصري يقوم على النسبية والدائرة الواحدة (ومن الممكن أن يكون جنبلاط داعما لهذا الاقتراح بدل أن يكون معارضا له إذا ما قرر، على غرار والده، أن يطمح إلى زعامة وطنية فضلا عن زعامته الدرزية) ويبقي على القيد الطائفي إلى أن يطبق من اتفاق الطائف البند المتعلق بإلغاء الطائفية السياسية، فيتأمن الأساس لقيام الدولة المدنية العصرية، دولة القانون والمؤسسات والعدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص.