الحريري يمثل الظاهرة المعاكسة.. وجعجع يلاقيه – نصير الأسعد – المستقبل

في خضم "الأزمة" التي يشهدها لبنان منذ سنوات، يبدو أن ثمة "ظاهرة" عامة لا بد من ملاحظتها وتسجيلها.
هذه الظاهرة العامة، هي أن معظم فرقاء التمثيل السياسي في البلاد إستكملوا خلال المرحلة المنصرمة مسار "الإنكفاء" الى داخل طوائفهم ومذاهبهم، وقد أعطوا الأولوية المطلقة للطائفة أو المذهب سواء بعنوان "الخوف" تارةً أو بعنوان "الحماية" تارة أخرى، لكن دائماً على أنقاض "فكرة" الدولة. فصار لكل "شيء" تفسيره بالطائفة أو المذهب، بمصالح تلك الطائفة أو ذلك المذهب، وبمقتضيات التفتيش عن "أمان" الطائفة أو المذهب.
التمثيل الشيعي.. والحزب ـ الطائفة
في هذا الإطار، كان فريق التمثيل السياسي الشيعي سبّاقاً الى اعتماد خط الدفاع الطائفي. والحديث هنا عن فريق التمثيل السياسي الشيعي إنما يعني "حزب الله" على وجه التحديد. فقد ربط "حزب الله" الطائفة بـ"شبكة" إيديولوجية ـ ثقافية ـ مصلحية مركزها إيران، وراح تدريجاً يماثل ـ أو يطابق ـ بينه وبين الطائفة، وبين الطائفة ورقعتها الجغرافية ساعياً الى إختراق الجغرافيا اللبنانية بشتى "الوسائل". وإذا كان "حزب الله" قد توصل الى المطابقة بين الحزب والطائفة قبل مدة، فإنه لم يتردد في الآونة الأخيرة، لا سيما في الإنتخابات النيابية، في جعل تلك الإنتخابات، في الجنوب ومعظم البقاع خاصة، "إستفتاء شيعياً"، بحيث يستطيع القول إن أي خلاف سياسي معه هو خلاف مع الطائفة، أو أن أي "مشكلة" معه هي مشكلة مع الطائفة. حماية الطائفة والإحتماء بها، الخوف من طوائف وتخويفها، وفرض "قواعد" جديدة للعلاقة بين الطوائف.. كلّها عناوين تصب في المكان نفسه.
"التيار العوني".. و"الحماية"
توازياً، حصل أمر شبيه مع "بعض" فريق التمثيل السياسي المسيحي، أي مع "التيار الوطني الحر".
فتحت عنوان "حماية المسيحيين"، أبرم "التيار" ما سُمّي "وثيقة التفاهم" مع "حزب الله"، التي سُوّقت على أساس أن من شأنها مداراة خوف المسيحيين من الشيعة وسلاحهم. وكان "طبيعياً"، عندما يكون "المحرك" هو "الخوف" أو "الإحتماء"، أن يذهب "التيار" بعيداً.. الى الخارج، فذهب بالفعل الى سوريا وإيران. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، ذلك أن "التيار العوني" كي يغطي مساره وخروجه من فكرة الدولة، حاول أن يخترع للمسيحيين خوفاً من طائفة أخرى هي الطائفة السنية من جهة، وحاول العزف على وتر أن موقع المسيحيين في الشراكة الوطنية يتراجع "بسبب" الطائف.. من جهة أخرى.
التمثيل الدرزي.. و"الخصوصية"
في الشهور الماضية، قبل الإنتخابات وبعدها، وضع رئيس "الحزب التقدمي الإشتراكي" وليد جنبلاط حركته السياسية تحت عنوانَي "الخصوصية الدرزية" من ناحية و"حماية الدروز" من ناحية ثانية. لم يخفِ أن ثمة خوفاً لديه "على" الدروز، وإن كان باح في عدد من المرات عن خوف لديه "من" الدروز"، من "إنعزالية" درزية كما قال تُطيح عروبتهم. الخوف على الدروز ومنهم قاده الى أولويّة أخرى. وفي سياق متصل اعتبر أن العلاقة بسوريا من "الحمايات"، بل إنها ضمانة عربية للدروز.
كما لم يخفِ جنبلاط أنه "يتحرك" خوفاً من أن يجد الدروز أنفسهم في خضمّ تصادم بين "أقلّيتين كبيرتين" هما السنّة والشيعة.
مسار معاكس للطائف.. والدولة
إن المقدمات الآنفة ليست في صدد تقديم تقويم سياسي أو قيَميّ لما يحصل في عدد من البيئات. إنها مهتمّة الآن بتسجيل "واقع". وفي هذا "الواقع" أن ما جرى ـ وما يجري ـ يشكل مساراً مناقضاً لإتفاق الطائف. بأي معنى؟
من المفترض أن إتفاق الطائف "أتى" بجميع الطوائف أو "عاد" بها الى الوطن، الى لبنان. أما ما يجري فهو سلسلة "إنغلاقات" ضمن الطوائف، يأتي قسمها الأكبر بنتيجة الخوف من السلاح.
ومن المفترض أن إتفاق الطائف يتضمن فكرة الإنتقال من الطائفة الى "الدولة المدنية". والحال أن ما يجري هو نسف لمسار "الدولة المدنية"، لمسار "الدولة" بالمطلق، مع إدخال متجدد لـ"الخارج" في وضع لبنان.
"ظاهرة الحريري"
إن توصيف الواقع وتسجيله ليسا إذاً إلا من باب تظهير المشهد أو الصورة. بيد أنه كما لكل قاعدة استثناء أو استثناءات، فإن لـ"الظاهرة" العامة التي تم تناولها آنفاً ما يعاكسُها.
في هذا المجال، لا بد من التوقف عند تجربة زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري، على إعتبار أنه يصحّ القول إن هذه التجربة "ظاهرة" في ذاتها.
من بين معظم مكوّنات الاجتماع اللبناني، السياسي والطائفي، شقّ سعد الحريري مساراً معاكساً تحت عنوان "لبنان أولاً".. بما هو شعارٌ نقيض لـ"الطائفة أو المذهب أولاً". فهو "لم يبقَ" داخل طائفته، وخاض كل المعارك السياسية في السنوات الماضية بـ"أفق لبناني عام". إنطلق من الطائفة السنية و"وسّع" في المدى اللبناني، أي قرأ أن "الحماية" لا يمكن أن تكون إلا لبنانية عامة و"بـ" الدولة.
من الطائفة الى.. لبنان
لم يكتفِ بإعتبار حركة 14 آذار حركة شراكة عامة ضامنة من الخوف والتخويف، بل رأى في تشكيلها ـ في لحظة ذلك التشكّل ـ بُعداً "مدنياً" عابراً للطوائف وتصرّف على هذا الأساس ودافع عنها. ولم يكن غريباً والحال هذه أن يركّز الحملة الإنتخابية لـ"تيار المستقبل" على عنوان "المناصفة" بين المسلمين والمسيحيين، وأن يرفع راية الطائف في كل مناسبة، وأن يستبق إنتخابات 7 حزيران بخطاب لبناني في "البيال" في 5 حزيران الماضي، مشدداً على "المناصفة"، أي على المرادف الفعلي لـ" العيش المشترك". كما لم يكن مستغرَباً أن يجدّد البيان الصادر عن "تيار المستقبل" في 2 آب الماضي التأكيد على الإعتدال والعيش المشترك والمناصفة والشراكة والرسالة..
سعد الحريري و"تيار المستقبل" بهذا المعنى ظاهرة معاكسة: من الطائفة الى الوطن. مزاوجة بين الحرص على أفضل العلاقات الإسلامية ـ الإسلامية من ناحية وبين الحرص على الشراكة الإسلامية ـ المسيحية من ناحية أخرى.
جعجع و"الوصلة" المسيحية ـ الإسلامية
وعلى قاعدة "الشيء بالشيء يُذكر"، فإن "الإنصاف" يقتضي القول إن رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع و"حزب القوات" يلاقيان الظاهرة المعاكسة تلك.
فإذا كان لا جدالَ أن جعجع جاهد خلال السنوات الماضية من أجل انتزاع حيّز مهم لـ"القوات" في البيئة المسيحية، وأنه إهتمّ بتوسيع التمثيل السياسي "القواتي"، فلا جدال أيضاً ـ وأساساً ـ في أن جعجع حرص أشدّ الحرص على تركيز "الوصلة" المسيحية ـ الإسلامية.
من كل ما تقدّم، ثمة استنتاجان. الأول هو أن "التموضعات" الطائفية أو المذهبية الحاصلة، حتى ولو أنّ بعضها يتمّ تحت ضغط "ظروف قاهرة"، بقدر ما تشكّل مساراً معاكساً لـ"الديناميات المفترضة" لإتفاق الطائف، أي لديناميات "الإختلاط" التي كانت حركة 14 آذار ـ خصوصاً في لحظتها ـ نموذجاً لها، فإنها تؤشّر الى "كربجة" على مستوى النظام السياسي يقتضي البحث عن "حلحلتها". أما الثاني فهو أن "الوصلة" الإسلامية ـ المسيحية التي يدافع سعد الحريري عنها ويحرص سمير جعجع عليها، تبقى حالياً مصدر الأمل بأن لا "ينغلق" البلد نهائياً بعضه في وجه بعضه الآخر.