أي طريق أمام الحريري: تسريع التأليف .. أم الانتظار والتجميد؟ – نبيل هيثم – السفير

واضح من النقاش الدائر في محيط الرئيس المكلف سعد الحريري، صعوبة هضم «انقلاب» وليد جنبلاط على «حلفائه القدامى» في «14 آذار». وصعوبة التسليم بحقيقة ان خطوة رئيس التقدمي، افرزت واقعا سياسيا جديدا، ويجب التعايش معه على قاعدة ان ما بعد الانقلاب ليس كما قبله.
والواضح ان هذا النقاش، لا يقف عند مضمون الخطوة الجنبلاطية ومحاولة التدقيق بمراميها، ولا عند السياق الذي نقل جنبلاط الى «مربع ميشال سليمان الوسطي»، ولا عند توقيتها في لحظة مخاض توليد الحكومة الاولى للحريري، بقدر ما يحاول اطراف النقاش البحث عن «رد» يفوق خطوة «الحليف السابق»، ويلغي آثار الانقلاب، ويسترد لـ«14 آذار» هيبتها ومعنوياتها التي تكسرت، ويصحح التوازن الذي اختل بخروج جنبلاط.

لكن السؤال المطروح في هذا السياق: ما هو هذا الرد.. وكيف سيصحح التوازن؟
البديهي هنا، افتراض ان عودة الرئيس المكلف من «رحلة التفكير»، ستحدد المسار الذي ستسلكه الوقائع الداخلية سواء في اتجاه تأليف الحكومة وهذا يعني مبادرة الحريري الى خطوة تتجاوز «انقلاب جنبلاط» وتكمل جهود التأليف على قاعدة التفاهم المعقود قبل سفره على أساس معادلة 15/10/5، او في اتجاه التعقيد والتجميد، من خلال المبادرة الى طرح يعيد خلط الاوراق من جديد، وتحت عنوان البحث عن معادلات جديدة لتحقيق التوازن.
وليس بين اطراف النقاش الدائر في محيط الرئيس المكلف، من هو قادر على وضع رسم تقريبي لموقف الحريري بعد عودته، لكن ما ينبغي ملاحظته في هذا المجال، ارتفاع بعض الاصوات في «14 آذار» تنعى معادلة 15/10/5، وتطرح البحث عن صيغ بديلة، ومن هنا يأتي طرح «القوات اللبنانية» تشكيل حكومة تكنوقراط. وذلك بالتوازي مع أصوات اخرى ترتفع في الفريق نفسه وتضع تشكيل الحكومة على ذات المعادلة، في مصلحة المعارضة، ولا سيما ان التوازنات وموازين القوى تغيرت، والواقع النفسي والمعنوي تغيّر، وبالتالي الاسراع في التأليف اصبح لمصلحة المعارضة، والمثير ان هذه الاصوات تلقى صدى كبيرا في هذا الجانب!
وعلى هذا الاساس، كما تفيد تلك الاصوات، جاء سفر الرئيس المكلف، بعدما شعر انه تعرض للكمة سياسية غير متوقعة، هددت بدخوله مهشما بالمعنى السياسي امام الاطراف الاخرى، وبالتالي أدرك سريعا انه في مواجهة ذلك، كان لا بد له من ان يستعمل مكابحه لوقف التشكيلة الحكومية في تلك اللحظة، واستغل سفره العائلي لمغادرة المسرح الداخلي بهدف استجماع ذاته ومحاولة استيعاب ارتدادات زلزال جنبلاط سواء عليه شخصيا او على مشروعه السياسي، وطبعا الاستعانة بالحليف الاقليمي لمحاولة التقليل من الاضرار وحصر التداعيات تأسيسا لاعادة انتاج معادلة حكم تؤمن التوازن المطلوب كما يراه الحريري. ومن هنا كانت زيارة الموفد السعودي الوزير عبد العزيز خوجة السريعة الى بيروت ولقاء جنبلاط.
يتقاطع ما ذهبت اليه تلك الاصوات، مع جزم مصادر سياسية واسعة الاطلاع، بأن الحريري سيأتي من رحلته الفرنسية بـ«قرار» يتخذه، اذ لا يستطيع ان يعود وكأن شيئا لم يكن، وخصوصا ان تيار المستقبل حرص من ناحيته على نزع الطابع العائلي عن الزيارة واعطائها البعد السياسي بكونها «رحلة تفكير وتدبر» ربطا بتطورات الزلزال الجنبلاطي. الا ان المصادر السياسية المذكورة تستبعد ان يلجأ الحريري الى قرار صدامي بالذهاب الى قلب الطاولة، كما يطالب بعض رموز 14 آذار، لما يترتب على هذه الخطوة من مخاطر ومحاذير ونتائج غير مضمونة قد تؤدي الى فلتان اللعبة برمتها. لكن مرجعا سياسيا يلفت الانتباه الى ان جنبلاط استطاع في لحظة سياسية، استثمرها بدقة، ان يتخذ قرارا أعاد جذب الاضواء اليه من مختلف الاتجاهات، ووضعه في نقطة المحور ضمن اللعبة السياسية الداخلية، وصار الحريري في موازاة ذلك أمام تحدي اتخاذ قرار حاسم يخطف الضوء من الآخرين ويقدم مشروعه الى الصدارة.




ولكن ماذا يمكن ان يطرح الحريري؟
في تقدير مرجـع سياسي ان المسألة لم تعد متصلة بمعادلات رقمية، وخــصوصا ان ثمة استحالة في ايجاد معادلة تعيد التوازن الداخلي سواء 15/10/5 او 12/10/5/3و او 10/10/10 او 13/7/10، او اية ارقــام اخرى، بل ان المسألة صارت مرتبطة بمكان آخر، وعلى اســاس صيغة اخرى.
ويلاحظ المرجع ان صلاحية المعادلات يمكن ان تكون قد انتهت منذ لحظة مغادرة الحريري بيروت حيث غادرها على اساس انه يريد ان يحقق هدفا ما، وايضا توجيه رسالة الى الاطراف الداخلية، مفادها ان الحريري يجب ان يحكم على ارض صلبة ، وليس على ارض رخوة وفي الرمال المتحركة التي احدثها زلزال وليد جنبلاط. وفي اعتقاد المرجع المذكور ان زيارة خوجة الى بيروت صبت في ذات الهدف التحصيني لحكم الحريري المقبل.
ويدعو المرجع المذكور الى القراءة المتأنية لزيارة خوجة الاستكشافية بشكل عام، وموجبات عدم استتباعها بعودة سريعة للحريري، ففي رأيه ان الحليف الاقليمي الذي شعر باختلال الميزان الداخلي لغير مصلحة حلفائه، بادر الى الاستكشاف اولا، وانتقل الى التأسيس لـ«معادلة جديدة»، تتجاوز معادلات الارقام التي باتت كلها غير متوازنة، ويفرضها ـ أي المعادلة الجديدة ـ «منطق الحاجة» الى الرئيس الحريري، كمرشح وحيد لرئاســة حكومــة، في امكانه بما يمثله في لبنان، وبما له من امتداد اقليمي ودولي أن ينأى بلبنان عن الاحتمالات الخطيرة التي قد تهدده في المرحلة المقبلة.

ويدرج المرجع في اطار هذه الاحتمالات التهديد الاسرائيلي المتواصل، وكذلك ما يتصل بالمحكمة الدولية الخاصة بلبنان وما يواكبها من ترويج مسبق عن فتح ملفات جديدة من وحي تقرير «ديرشبيغل». معنى ذلك بحسب المرجع المذكور ان «المعادلة الجديدة» تقوم على قاعدة مفادها: « الحكم بهدوء لنا .. والاستقرار والامن للجميع».
لكن مرجعا قياديا في المعارضة لا يؤيد ما ذهب اليه المرجع السياسي المذكور، على اعتبار ان هذه المعادلة تقوم على حكم احادي من جانب واحد، وتقوم على شيء من الابتزاز، وبالتالي ان طبقت فلن تكتب لها الحياة، ما يعني ان حكومة الحريري التي لم تولد بعد، باتت امام ممر إلزامي لا بد منه لاقلاعها، يوصل الى اعادة بث الحياة على الخط السوري السعودي واستئناف البحث بالصيغة التي توقفت منذ زيارة عبد العزيزين الى العاصمة السورية قبل اسابيع.