الإدارة لــــبّ القضيــــة – مروان اسكندر – النهار

على لبنان في السنوات المقبلة ان يحافظ على زخم النمو، وعلى استقرار سعر صرف الليرة، وان يخفض أصل الدين العام تدريجا. لكنه لن يستطيع تحقيق هذه الاهداف ما لم يحقق اصلاحاً واسعاً وشاملاً في مختلف الادارات الحكومية. ان الادارة العامة بطائفيتها ومذهبيتها ووسائل عملها المتقادمة، وتولي أزلام منتسبين الى زعماء أو أحزاب مسؤوليات اداراتها، ستدفع باقتصادنا وآمال شبابنا الى هاوية سحيقة لن يكون من السهل النهوض منها في القرن الحادي والعشرين الذي شهد، ولا يزال، سباقاً في التحديث والتجهيز وتسهيل المعاملات واطلاق المبادرات.
عندما تولى الرئيس رفيق الحريري الحكم أواخر عام 1992، تسلم زمام الامور في وقت كان اللبنانيون فيه متشوقين الى تجاوز الدمار الذي لحق ببلدهم، ونتائج حربي "الالغاء" و"التحرير"، وانهيار سعر صرف الليرة على نحو مقلق.
وكان المناخ العام مناسبا للرئيس الحريري الذي كان يراهن على النجاح ولا يسمح لنفسه بان يفكر في الفشل لأنه متفائل بطبعه ومستقبلي بتطلعاته.  ولما كان بعض المخلصين من اصدقائه يقولون له "عليك بالإصلاح الاداري قبل كل شيء"، كان يجيب "علي اصلاح المدارس والمباني الحكومية وشبكة الاتصالات والمواصلات، وشبكات توزيع المياه، وانجاز مشاريع معامل الكهرباء…  هذه هي أولويات النهوض من آثار الحرب على لبنان والحروب بين اللبنانيين".

وكان يقول عن الادارة العامة "ما هي كلفة التأخير الاداري أو الرشوة على مستويات صغار الموظفين؟ خمسة في المئة من أرقام الموازنة؟  فلنتحملها لنسير قدماً في تنفيذ المشاريع الحيويةِ، وبعد تحقيق الانماء المطلوب تصبح كلفة الاهدار الاداري غير ملحوظة".
لقد كان الرئيس رفيق الحريري على خطأ في تصوره لمدى تأثير سوء الادارة على مسيرة الاقتصاد وتنفيذ المشاريع.  وعندما وضع كتابه عن خبرته المريرة في الحكم في السنوات الخمس الاولى، من 1993 الى 1998، أقر فيه بأن الادارة يجب ان تكون الشغل الشاغل للقيمين على الحكم، واعتبر ان المصاعب الادارية تؤدي الى اهدار الحقوق وإعاقة تنفيذ المشاريع وإعطاء صورة سلبية عن لبنان.




وانحصر مسعى معالجة شؤون الادارة العامة بمحاولة ضبط العجز في الموازنة وتراكم الدين العام، فارتفع العبء الضريبي بسرعة، وصار التركيز في التفكير المالي للحكومة على ما يمكن تحصيله من ضريبة معينة، أو زيادة معدلات ضريبة اخرى.  واكبر نجاحات تحققت في مجال زيادة الموارد تمثل في حاصلات الضريبة على القيمة المضافة التي فاقت التوقعات، وحاصلات رسوم التخابر الهاتفي الباهظة والمكلفة للأفراد والمؤسسات، ورسوم استهلاك المحروقات.
واليوم، معظم موارد الخزينة هي من المصادر الثلاثة المشار اليها اعلاه، بالإضافة الى رسوم الجمارك على رغم انها على تناقص، ورسوم تسجيل الاراضي وهي على تزايد بفضل ارتفاع الاسعار ومعدل الضريبة المقطوع.
ان المعالجات المالية اقتصرت حتى تاريخه على زيادة الرسوم والضرائب، أو محاولة زيادتها، لكنها لم تؤت النتيجة المطلوبة المتمثلة في بدء خفض حجم الدين العام.  والأمر الاكثر اثارة للانتباه هو ان التفكير في الإصلاح الاداري لضبط الاهدار وتحسين الاداء ظل مهملاً حتى تاريخه، وهذا أمر يدعو الى الاستغراب.

كيف لا وإدارتنا هذه تسمح بالتقاضي في قضايا تجارية لفترة 25 الى 30 سنة يكون الحق فيها قد تبخّر او بعض المتقاضين صاروا في ذمة الله؟
كيف لا وإصلاح سيارة لوزارة الاشغال أو لبلدية بيروت أمر يستوجب لا أقل من عشرة تواقيع يتغيب بعض المطلوب منهم التوقيع اياماً وربما أسابيع في أي شهر من اشهر العمل؟
كيف لا وهناك عدد من المدرّسين في المدارس الرسمية، الابتدائية والثانوية، بنسبة استاذ واحد لكل ثمانية تلامذة، وهذه النسبة أفضل مما هي في المدارس الخاصة بكثير، لكن توزيع الاساتذة على المدارس وكفاياتهم التعليمية أمر آخر.  فثمة مدارس رسمية فيها مدرسون اكثر من التلامذة. ومستويات التعليم الرسمي عموما، وليس دائما، أدنى من مستويات المدارس الخاصة، وربما هناك عدد من المدارس، وخصوصا في منطقة الجنوب، يزيد على حاجات السكان.
كيف تكون الادارة العامة صالحة ما دامت بلدية بيروت التي حققت تحسينات كبيرة وباتت تتمتع بفائض نقدي ملحوظ، لا تستطيع انجاز مجمع يُبنى على أسس حديثة وتصميم يأخذ في الاعتبار مهمات البلدية، ومعاملات المواطنين في دوائرها، ولأن صلاحيات المحافظ تتضارب مع صلاحيات رئيس البلدية، وهناك موقف شخصي في الموضوع، فان انشاء المجمع الحديث معلق منذ 11 سنة.

كيف لا ومشاريع السدود المتوافر لها 800 مليون دولار منذ سنوات لا تزال احلاماً تراود بعض المسؤولين المخلصين، واللبناني متعطش الى امدادات المياه في المصنع والحقل والمستشفى، وفي المنزل والمنتجع، الخ.
ان الادارة العامة في وضعها الحالي، ونطاق صلاحياتها وتعقيد اجراءاتها، هي السبب الرئيسي للعجز في الموازنة ولتذمر المواطنين، ولتأخر تجهيز لبنان عن الدول المجاورة.
حضرة الرئيس المكلف، أدرك تمام الادراك ان كل مسؤول على رأس هرم المسؤولية، وخصوصا اذا كان مخلصا لبلده ومقتنعا بآرائه، لا يستسيغ النصائح عند بدء ممارسته مسؤولية القيادة.  ومع ذلك، وبالتأكيد بكل تمنّ لنجاحك الذي هو عنصر اساسي لطمأنة اجيال المتقدمين عنك في السن، وفتح ابواب الامل لأبناء جيلك من شباب لبنان، أؤكد ان قضية الادارة العامة هي الحجر الأساس في مدماك الاصلاح والتحديث.

هناك شركات لبنانية متقدمة في نشاطات التأمين وبرامج الادمغة الالكترونية وتقويم مخاطر العملات والائتمان عالميا.  هذه الشركات تكتسب مداخيل وافرة من العمل في الخارج، لكنها لا تستطيع الارتكاز في أعمالها الى المعاملات الادارية في لبنان، سواء بالنسبة الى الضرائب، او الى اشتراكات صندوق الضمان الاجتماعي، أو وسائل الاتصال الحديثة، أي The Broad Band التي تأخر تنفيذها لاعتبارات تتعلق بتوزيع المكاسب المالية بين السياسيين أو فئات سياسية.
ان اصلاح الادارة وتوجيهها نحو اعتماد المعاملات الالكترونية، أمر يخفف وطأة الاستزلام للزعماء، سواء أكان هؤلاء زعماء اقطاعيين أم ممثلي أحزاب وحركات دينية من مختلف الطوائف.
الادارة في هيكليتها الحالية، وممارسات اجهزتها، وانتقائية التسهيل والتأخير في المعاملات، هي السرطان الذي يتآكل جسم الاقتصاد اللبناني وآمال اللبنانيين، وفرص لبنان في المحافظة على تجليه الحضاري والانجازي.
لقد حقق الاردن ودبي خطوات مهمة على صعيد الحكومة الالكترونية، فعسى ان تبدأ من هنا، حضرة الرئيس المكلف.