البطريرك القلق على النظام السياسي ومن تغييره – نصير الأسعد – المستقبل

منذ "إتفاق الدوحة" في أيار 2008، لا يفوّت البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير مناسبة إلا ويوجه إنتقادات لاذعة الى "الحكومة التي يجرّها حصانان، واحد الى الأمام وآخر الى الخلف" كما يقول، في اعتراض لا لبس فيه على تشكل الحكومة من فريقي الأكثرية والأقلية معاً. وها هو اليوم، بمناسبة الاتصالات والمشاورات الجارية لتأليف حكومة ما بعد الانتخابات يكرر الاعتراض نفسه.. على نحو لافت.

اعتراض على مخالفة النظام الديموقراطي
وإذا كان واضحاً أن الاصل "المباشر" لموقف البطريرك هو إعتراضه على "الثلث المعطل" الذي يمنح حق النقض ـ الفيتو ـ لفريق داخل مجلس الوزراء، مركز السلطة التنفيذية، فإن اعتراض سيد بكركي أبعد من ذلك إذ يرفض في المبدأ مشاركة الأكثرية والأقلية ـ أو الموالاة والمعارضة ـ في حكومة واحدة تحت أي مسمى كان، لأن "حكومة الكل" تناقض مبدأ تداول السلطة وتتعارض ومبادئ النظام الديموقراطي.. خصوصاً أن البطريرك يعتبر أن فريق الأكثرية هو إئتلاف سياسي وطائفي في آن، وأن فريق الأقلية كذلك، مما لا يجعل "الشراكة الوطنية" في خطر داهم.




قلق على النظام
وقد تسنى لمن التقوه في الفترة الأخيرة أن يلمسوا أن لدى البطريرك قلقاً عميقاً على النظام السياسي بحسب قواعده في إتفاق الطائف، وأن يلمسوا أنه قلق تالياً من الدفع باتجاه تغيير النظام السياسي.
يرى رأس الكنيسة المارونية إذاً أن "تعويد" البلد على تشكيل حكومة تضم فريقي الأكثرية والأقلية السياسيتين، هو بمثابة تأسيس لعملية تغيير النظام السياسي، بل هو "ربط نزاع" مع النظام السياسي، فضلاً عن كون ذلك نسفاً للانتخابات ولمبدأ أن الشعب هو مصدر السلطات في النظام اللبناني.
ويزداد قلق البطريرك على النظام من جراء مطالبات يعتبر أنها مجافية للميثاق والدستور. فمطالباتٌ ـ مصطلحات ـ من نوع "الثلث الضامن" أو "المعطل"، "الوزير الملك" أو "الوديعة"، و"النسبية"، هي مطالبات تطرح تغييراً في النظام السياسي وتؤدي الى تغيير في النظام السياسي. أي أن هذه المطالبات يمكن أن تبدأ "سياسية" في ظرف معين لتتحول شروطاً على الميثاق والدستور في ظرف آخر.

خشيةٌ من تسهيل ربط النزاع
وإذا كان البطريرك لا يوضح دائماً "على المكشوف" مصدر أو مصادر قلقه، فإن تزامن اعتراضاته دائماً مع معطى سياسي معين أو موقف سياسي من هنا وهناك، يتكفل بالتوضيح.
هو ليس يخشى فقط تسليح من يتطلع الى تغيير النظام السياسي ويسعى إليه بإمكان "ربط النزاع" مع النظام. لكنه يخشى من أن يلعب فرقاء مسيحيون أحياناً دور "المسهل" لطرح التغيير من جانب فرقاء آخرين. أي يبدو البطريرك بحسب متابعين "خائفاً" من أن يشكل فرقاء مسيحيون غطاءً.. حتى لفرض التغيير فرضاً بالاستناد الى "ميزان القوة".
وهكذا مثلاً، فإن طرح البعض مسيحياً لعنوان من نوع "تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية" أو من نوع "تطوير صلاحيات رئيس الجمهورية"، انما يشغل بال البطريرك. ينشغل بال البطريرك، تماماً لأن فريقاً معيناً يمكن أن "يبدأ" بطرح من هذا القبيل فيأخذ فريق ثانٍ هذا الطرح الى مكان آخر، أو لأن طرحاً من هذا القبيل يمكن أن يفتح باباً على أزمة أو أزمات كبيرة.

أفرقاء مسيحيون.. وصلاحيات الرئيس
وواقع الأمر في هذا السياق أن البطريرك تابع بقلق شديد "النظرية" التي يتبناها حزب معين وتقول إن من يريد أن تحكم الأكثرية وتعارض الأقلية، ما عليه إلا ينتظر "تغيير النظام". وكذلك تابع ـ ويتابع ـ بقلق أيضاً "النظرية" التي تقول إن الديموقراطية في لبنان "توافقية"، بمعنى أن جعل الديموقراطية مشروطة يؤدي الى عدم تطبيقها، خصوصاً عندما تكون ثمة شروط مانعة للتوافق ولـ"الديموقراطية التوافقية"، وعندما يصبح أهم إختبار ديموقراطي مثل الانتخابات النيابية بحكم "الملغى" إذ ليس في وسع هذا الاختبار أن "يفصل" في أي أمر من أمور السياسة. ولعل ما يثير ريبة البطريرك وقلقه تالياً أن طرح بعض هذه العناوين مسيحياً، إنما يتم في سياق "موجّه" ضدّ إحدى مكونات الشراكة الوطنية، ومهدد تالياً للعيش المشترك، مما يجعل المسيحيين طرفاً في ثنائية طائفية بل طرفاً في إنتاج صراع مذهبي إسلاميّ إسلاميَ.

الأمان.. والطائف الضامن
على خلفية هذه المقدمات المثيرة للقلق، أو هذه الهواجس، لم يكن من قبيل الصدفة أن يكرر رأس الكنيسة ورئيسها مرات عدة في الآونة الأخيرة تمسكه باتفاق الطائف وبتطبيقه، معتبراً أن فيه ضمانات.. وفيه من الصلاحيات لرئيس البلاد ما يمكنه من أداء دور "الحكم" ودور "الضامن". وحتماً، لا يمكن للبطريرك أن يكون معترضاً على أي صيغة "سياسية" من شأنها تعزيز إمكانات الرئيس، بيدَ أنه لا يزال عند قناعته بتطبيق الطائف "دستورياً" ممراً الى النظر في إمكان تعديله.
باختصار، إن مواقف البطريرك مشروحة من زاوية نظر متابعين، إنما تؤكد ـ أي المواقف ـ أن سيد بكركي مقيم على قناعة بأن "أمان" لبنان هو في النظام السياسي الديموقراطي، وبأن الطائف هو ضمان النظام السياسي.