سلاح التعطيل – احمد عياش – النهار

لا يجادل اثنان في أن سابقة رئيسين للحكومة أحدهما مكلف وثانيهما مصرّف للاعمال أمر ينطوي على عجز عن الخروج من نفق أزمة تاليف الحكومة. لكنه في الوقت نفسه تعبير عن أزمة بدأت عام 2005 ولا تزال مستمرة حتى اليوم وتتمثل برفض قوى الامر الواقع التي تحاول أن تستفيد من فراغ أحدثه انكفاء سوريا، الامتثال لقواعد اللعبة السياسية الداخلية التي تتضمن أكثرية وأقلية في البرلمان. ولا يخفى على أحد أن الوزن الحقيقي لقوى الامر الواقع مستمد من قوة "حزب الله" الذي لولاه لوجدنا أن حجم اعتراض العماد ميشال عون المعرقل لولادة الحكومة هو أقل بكثير مما يبدو الآن. وهذا ما ظهر في تكوين الحكومة الاولى بعد انتخابات عام 2005. فبفعل ابتعاد "حزب الله" عن عون لم تظهر مشكلة مستعصية في بقاء عون خارج الحكومة على رغم انه كان يحظى بتمثيل مسيحي يقارب الـ70 في المئة. فكيف الحال اليوم وهو يتمتع بتمثيل مسيحي لا يصل الى 50 في المئة.

الاستنتاجات لا تزال خاضعة لعوامل عدة تجعلها قابلة للتغيّر. وما يبدو مدعاة للتشاؤم قد لا يستمر كذلك. فوقوف "حزب الله" على "خاطر" الجنرال يتعرض لامتحان لن يكون يسيراً للحزب الذي لديه مصالح والتزامات تتجاوز حليفه. وفي وقت ما سيوازن بين فوائد هذا التحالف واضراره. حتى اذا ما أدرك ان هذه العلاقة ستنال من مصالحه وارتباطاته والتزاماته داخل لبنان وخارجه سيبعث باشارة قوية تنهي دفعة واحدة كل اعتراض عون أو تدفع الاخير الى أخذ مكانه الذي اعتاد عليه عام 2005.




وثمة بُعد يمنح "حزب الله" قدرة تتجاوز واقع امتلاكه ترسانة سلاح تتخطى امكانات الدولة نفسها. انه البُعد المذهبي الذي أخضع تمثيل الطائفة الشيعية لمشيئة هذا الحزب. فاذا ما تطور الاعتراض في مسار العملية السياسية الى نقطة افتراق جرى تظهير الخلاف وكأنه خلاف مع طائفة بكاملها. وهذا ما يعيد الى الاذهان محطات في تاريخ لبنان الحديث حيث تتعطل الحياة السياسية عندما تصطدم بارادة الطوائف علماً ان هناك الكثير مما يقال حول موقع "حزب الله" داخل الطائفة الشيعية والظروف الاقليمية المحيطة بهذا الموقع.
في المقابل، هذا الامتياز لـ"حزب الله" لا يحظى به العماد عون ولن يحظى به. لا بل انه اليوم أضعف من أي وقت مضى على مستوى التمثيل المسيحي الذي انتقل الى قوى 14 آذار المسيحية التي أعطت برهاناً في انتخابات حزيران الماضي انها تحظى بقاعدة تمثيلية واسعة داخل المناطق المسيحية. ولن يأتي اليوم الذي سيقول فيه الجنرال ان تهميشه هو تهميش للمسيحيين.

لا شك في أن الرئيس المكلف سعد الحريري يدرك هذه المعادلة التي تجعل اعتراض عون مموهاً بقدرة "حزب الله" وهو سيحافظ على موقع يحترم فيه قواعد العمل السياسي ضمن حدود لا تسقط معها ارادة الطوائف. وفي الموقع نفسه يجهد رئيس الجمهورية ميشال سليمان للتمييز بين ما هو سياسي وما هو طائفي. وسيحاول ان يعرف مصير وعد "حزب الله" له بأنه سيعمل لتسوية اعتراضات عون بعدما استقرت صيغة تأليف الحكومة سياسياً.

مرة جديدة على البلاد أن تدفع ثمن هذه الازدواجية السياسية، الطائفية. وستتأخر تالياً كل العملية السياسية التي يراد من خلالها القيام بمسؤوليات تجاه قضايا كبرى تتعلق بحياة اللبنانيين وتتمثل بفك ارتباط البناء الداخلي بالابتزاز الطائفي. ولكن سيظهر جلياً ان "حزب الله" لا يوظف الطائفة الشيعية في حماية سلاحه بل يتعداه الى سلاح التعطيل الذي يرفعه الجنرال بحماية الحزب. الزمن اليوم يعود الى الوراء الى مخيم رياض الصلح… حتى اشعار آخر.