//Put this in the section

صحافة لبنان الأسوأ في تاريخه: نحن في خدمة السلطان كبيراً وصغيراً – ابراهيم الأمين – الأخبار

«… وقد أبلغت مصادر رئيس المجلس أن الاتصالات إيجابية ونحن نتقدم، بينما ردّت مصادر الرئيس المكلف بأن الأمور تسير نحو الأفضل، وليس هناك من هو مستعجل في أمره»…
«قال جنبلاط إنه مع خلط الأوراق، بينما نقل المعاون السياسي لزعيم حزب الله إلى بيت الوسط المزيد من الأجواء الإيجابية»…
«أكد بري أن ما توقّعه حصل، وها هي النتائج الإيجابية بدأت بالظهور، فيما قالت أوساط الأكثرية إن العقبات تأتي من المعارضة ومن سوريا»…
«تراجعت السعودية عن اندفاعتها بسبب ضغوط أميركية ومصرية، بينما أكدت باريس أنها لا تتدخل، لكنها ترفض الثلث المعطّل، فيما قالت دمشق إنها غير معنية بالحكومة كما كانت غير معنية بالانتخابات»…
«رفض رئيس الجمهورية أن تضم إلى كتلته ودائع تخص فريقي النزاع في لبنان، وأكد أنه يمثّل الضمانة»…
«شدد العماد عون على أن النسبية هي الحل الأفضل لتأكيد الشراكة، بينما رفضت القوات اللبنانية تأليف حكومة لا تعكس انتصار 14 آذار في الانتخابات النيابية»…
هذه عيّنة هي الأفضل من بين ما تناولته الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعات والمواقع الإلكترونية منذ انتهاء الانتخابات حتى أيام قليلة ماضية، في خطوة تعكس حالة الإعلام في لبنان. ذلك الإعلام الذي لا يناقش كل هذه الطبقة السياسية، بجديدها وقديمها، بثوريّيها وبتقليديّيها، في أي أمر ممّا يجري. فلا أحد يسأل رئيس المجلس مثلاً عن طبيعة الإطار السياسي الذي أُنجز، ذلك أنه حرام الحديث عنه لأن في هذا ما يهدّد الاتفاق برمّته. ولا أحد يسأل وليد جنبلاط عن أي رقم يحتل الآن بعدما تراجع عن 14 آذار وهو لا يريد أن يكون في الثامن منه، ولا أحد يراجعه في ما فعله خلال السنوات الماضية، وكأن كل الناس ملزمون به، كما هي حال قاعدته الاجتماعية.
ثم تتبنّى الصحف عبارة «بيت الوسط» كما جاءت، ولا أحد يسأل أو يجرؤ على أن يسأل كيف بني هذا البيت، ومن اشترى عقاره، ومتى وبأي سعر، وما هي الإجراءات المتخذة حوله، وما هي الحدود الزمنية والجغرافية للمربع الأمني الجديد، الذي يستهدف تطويب كل الوسط منطقة سكنية تخص العائلة المالكة وضيوفها الكرام. لا بل على العكس من ذلك، فإن الناطق الإعلامي باسم الرئيس المكلف يبلغ الصحافيين أنه يراقبهم هذه الفترة، وسوف يخضعهم لفترة تجربة واختبار، فمن كان مطيعاً فسوف يتفضّل عليه بمنحه بطاقة مندوب في السرايا الكبيرة، ومن يقُم بما هو غير مستحب، فسوف يكون من المغضوب عليهم والضالين.

ثم ليس أمراً مصيباً أن يتوجه إعلامي إلى المعاون السياسي لزعيم حزب الله سعياً وراء فهم معنى التقدم الذي حصل في المفاوضات، وأين هو هذا التقدم في ما يخص مصلحة المقاومة، أو أن يستفسر منه عن طبيعة الاتصالات الجارية بين أقطاب المعارضة من أجل نظرة واحدة، ولا عن كيفية التفاهم مع رئيس الجمهورية على الوزير الوديعة، ولا عن كيفية الاتفاق مع الحريري نفسه على هذه المعادلة التي توفر شراكة حقيقية ولو من دون ثلث ضامن معلن. وأكثر ما يقوله حزب الله وقادته هو نسخة مطابقة لما يردّده الرئيس بري في قاعة «الرياضة الإلزامية» لزوّار عين التينة، قبل أن يطلب منهم أن «انفرقعوا عن هنا، فإن الرئيس المكلف في طريقه إليّ».
وبعد ذلك يتبارى الصحافيون في طلب ودّ هذا القيادي أو ذاك من الفريقين على حد سواء. ويظهرون الاستعداد لفعل أي شيء مقابل أن يرضى عنهم، وأن يردّ على اتصالاتهم الهاتفية ولو أجاب بعبارة «الأمور جيدة»، وهو نفسه يراجع الصحف لكي يقرأ عبارته في صدر الصفحة الأولى، يقرأها ولا يفهم معناها…
لكنّ الصحافة نفسها لم تعد تخبرنا عن جديد كارلوس إدّه وآخر نظريّاته بشأن ولاية الفقيه. كذلك لم يشرح أمين الجميّل سبب اجتماعه بـ«العميل السوري الوقح وئام وهاب»، ولا الأخير شرح للجمهور سر هذه الابتسامة الواسعة وهو يجلس في مدخل منزل الزعيم الدرزي الأول، وما الذي علينا انتظاره من جديد: هل علينا أن نصلي شكراً لله لأن جنبلاط سوف يزور باب توما من جديد، أم لأن سعد الحريري سوف ينتقل إلى مكتبة الأسد في دمشق محاضراً عن «لبنان أولاً»، وداعياً السوريين إلى رفع شعار «سوريا أولاً»، مستعيناً بالشاشات غير المرئية حتى لا يتلعثم في قراءة نص صعب بعض الشيء يكتبه رضوان السيد أو باسم السبع من وحي الأيام الخالدة لعبد الحليم خدام.




أم أن على الجمهور أن ينتظر من الصحافة أن تشرح له الإجراءات الأمنية المعقّدة ـــــ لكن المرتبة ـــــ التي تتخذ في مربع معراب النموذجي للخائفين من أهل الحي المجاور، أم هل نبتسم لسمير جعجع لأنه خدع أهل زحلة وسعد الحريري ونقولا فتوش وأحزاب 14 آذار مجتمعين، وهو يستعد الآن لتكريس انتصاراته في الانتخابات البلدية المقبلة. ولا يجوز لأي صحافي أن يطلب منه صور النساء اللواتي فرض عليهن حزب الله ارتداء التشادور في الأشرفية وجونية، أو أن يحصل منه على عبارة خجل ـــــ لا ندم ولا اعتذار ـــــ عن مشاركته في مجزرة إهدن الشهيرة. بل ربما على الإعلام المساعدة على تحصين الوحدة الوطنية، من خلال الطلب إلى عمر كرامي وعائلته أن يحذوا حذو ميشال المر فيشكروا جعجع لأنه أبقى بعض العائلة على قيد الحياة.
ماذا عن زيارات وزير الإعلام السعودي عبد العزيز الخوجة إلى بيروت، تلك التي إن أُشير إليها أو توجّه إعلامي بالسؤال عنها عُدّ مخبراً عند المحور الإيراني ـــــ السوري الشرير لأنه يريد إفشال مساعي الود والوئام. ومن يُرِد التفاصيل فليذهب إلى السفير السعودي الجديد ويسمع منه شروحاً عن آخر الإبداعات في الحركات الإسلامية الباكستانية والأفغانية، وعن المانغا التي أتى بها إلى قادة 14 آذار مهنّئاً بفوزهم في الانتخابات النيابية. ولكن الوضع اللبناني لم يتحول بعد إلى أولوية في اهتماماته بانتظار استكمال جولاته السياحية على اللبنانيين.

لكن ماذا عن جدول أعمال الحكومة المقبلة؟
هل قرأ أحد في صحف بيروت المبجّلة جواباً أو سؤالاً عن هذا الأمر، أم أن الإعلاميين يخشون تعرضهم لملامة الطبقة السياسية لأنهم مشغولون بأمور تافهة مثل أخبار الدَّيْن العام ومصير قطاعَيْ الطاقة والاتصالات، وآخر أخبار البنزين المغشوش… كل هذه توافه أمام الأخبار الدسمة عن سبل إرضاء فارس سعيد بتجديد فرش مقرّ الأمانة العامة لأن حظه خائب هذه المرة أيضاً. وأن من الأجدر بالإعلامي الناجح متابعة أخبار فتات 14 آذار، وما الذي يفعلونه في الاجتماع الذي يتراكض الإعلاميون لتصويره، والاتصال بأعضاء الأمانة العامة يسألون عن التفاصيل.
هل علينا انتظار أجوبة من الجميع، موالاةً ومعارضة، عن المقبل من الأيام. وهل صحيح أنه يمكن مراجعة سياسات الحكومات السابقة، كلها دون استثناء، وهل يحق لنا السؤال عن السرقات لا عن الهدر فقط في كل مرافق الدولة الواقعة تحت سلطة الطبقة السياسية نفسها، التي تمثل أبشع الوجوه الطائفية في البلاد؟
ثم هل بإمكان أحد من الإعلاميين الجهابذة الذين يتبارون في أنهم حصلوا على السبق بأن عرفوا أن اجتماعاً عقد بين هذا الموفد وذلك الرئيس، وذاك القيادي، أن يسأل أحداً من هؤلاء عما إذا كان النقاش قد تطرق إلى أزمة السير، أم أن هؤلاء يصلون إلى اجتماعاتهم دون عائق؟
هل يعرف هؤلاء أن القطريين هربوا من الجنوب بعدما جنّ جنونهم جراء السرقات التي تخص ملف التعويضات عن حرب تموز، وهل راجع أحد مصروف حديقة القصر الجمهوري، أو نفقات سرايا الدفاع ومقارّ رئاستي المجلس والحكومة ومنازلهما. هل يعرف هؤلاء أن هناك مافيا أدوية قائمة الآن داخل المؤسسة العسكرية، وأن الشفافية ممنوعة عن المنح التي صرفت على المهرجانات الصيفية باسم المكلف اللبناني؟
هل حاول الإعلاميون أن يراجعوا هذه الطبقة في ما فعلته خلال الانتخابات، وما طرحته من برامج ومن وعود، فيما الصراع على الحقائب الخدماتية هدفه الآن تحصيل ما يمكن تحصيله عشية الانتخابات البلدية المقبلة؟

…ومن ثمّ يسألون عن سبب قلة احترام الجمهور للصحافة والصحافيين!