الخاصرة الرخوة… الخاصرة الملتهبة ! – راجح الخوري – النهار

ماذا تستطيع ادارة الرئيس باراك أوباما ان تفعل في خلال ستة اسابيع لتغير بعض المواقف وتزيل بعض العقبات، بما يسمح للرئيس الاميركي بأن يعلن مبادرته للتسوية الشاملة في الشرق الاوسط؟
ليس في وسعها ان تفعل الكثير، وخصوصا بعدما تبين ان "الانزال" السياسي والديبلوماسي الاميركي الكبير في اسرائيل لم يتمكن من انتزاع موافقة بنيامين نتنياهو على وقف الاستيطان الذي تريده واشنطن موازياً لبدء قبول العرب بالتطبيع، وهو امر لن يحصل قط، لان التطبيع يأتي بعد الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي العربية المحتلة.
في مواجهة التعنت الاسرائيلي الذي اطلق نظرية "التبادلية الاختبارية"، اي وقف مؤقت للاستيطان في مقابل بداية لاظهار حسن النية عربياً من خلال بداية التطبيع، وفي مواجهة استمرار الانقسام بين "فتح" و"حماس" بما يعيق احياء المفاوضات بقوة على المسار الفلسطيني، سيكون من الصعب ان تهتدي ادارة أوباما الى قاعدة انطلاق تسمح له باعلان مبادرته التي كان يفترض ان يذيعها في 27 تموز الماضي فتأجلت الى النصف الثاني من ايلول المقبل.

أمام هذا الواقع تبرز الحاجة الاميركية الى إحداث اختراق ما على المسارين السوري او اللبناني، كما تبرز حاجة نتنياهو الى الظهور كأنه يساعد في الحلول والتسويات ولا يكتفي بمعارضة أوباما في مسألة الاستيطان.
وازاء هذا الواقع يمكن فهم التركيز الاسرائيلي المستجد على المسار اللبناني، من خلال الحديث عن ان الحكومة الاسرائيلية تنوي احياء "لجنة الهدنة" مع لبنان والتي تشكلت عام 1949 في رودوس بعد الحرب العربية – الاسرائيلية الاولى.
نتنياهو يريد من خلال احياء "لجنة الهدنة" "تسهيل قيام محادثات سلام مع لبنان" وفق ما تقول صحيفة "هآرتس". وهذا امر يناسب أوباما بالتأكيد الذي يبحث عن اختراق ما في المنطقة. وفي هذا السياق سمع المسؤولون اللبنانيون دعوات اميركية متكررة تحضهم على التفاوض، ودائما بحجة انه سيكون في الامكان التوصل الى اتفاق لبناني – اسرائيلي في شكل اسرع من المسارين السوري والفلسطيني.
لماذا؟
يظن الاميركيون ربما، ويزعم الاسرائيليون بالتأكيد انه "ليست هناك خلافات حقيقية بين لبنان واسرائيل، وانما تنحصر هذه الخلافات في ترسيم الحدود في مزارع شبعا وقرية الغجر".
طبعا هذا كلام واهم تماماً. فلبنان الذي يريد استرجاع كل ذرة من ارضه المحتلة، سيكون، كما اعلن دائما، آخر من يوقع السلام مع اسرائيل. وهذا يعني انه يقبل الآن بالعودة الى اتفاق الهدنة ونقطة على السطر، في انتظار إقرار التسوية الشاملة والعادلة على اساس مبدأ الارض في مقابل السلام.




إن الحاجة الاميركية والاسرائيلية الى مثل هذا الاختراق لا تعني ان هناك رغبة في التسوية مع لبنان حباً بالتسوية فحسب. ففي واشنطن وتل أبيب يعتقدون ان الانسحاب حتى "الخط الازرق" من مزارع شبعا وقرية الغجر سيسحب البساط من تحت اقدام "حزب الله"، بما يدخل النقاش السياسي في بيروت حول "سلاح المقاومة" مرحلة حامية، وبما يطمئن اسرائيل الى جبهتها الشمالية.
من هذا المنظار، يبدو المسار اللبناني كأنه "الخاصرة الرخوة"، او بالاحرى السهلة في عملية التسوية، ولكن هذا لا يعني اطلاقا ان العودة الى اتفاق الهدنة ستحصل غداً وبالشروط التي يقبل لبنان بها، كما انه لا يعني ان الجنوب اللبناني لن يبقى "الخاصرة الملتهبة" القابلة للاشتعال في اي لحظة في ظل التهديدات الاسرائيلية المستمرة واحتمالات انفجار الوضع على نطاق واسع، وخصوصا اذا اقدمت اسرائيل على عمل عسكري جنوني بقصف المنشآت النووية في ايران !
واذا كانت اسرائيل ستقوم بهذه المغامرة، اذا لم ينفع الحوار الاميركي مع طهران، ثم تشديد العقوبات عليها، فإنها بالتأكيد لن تنتظر ان تتساقط عليها صواريخ "حزب الله" كما سبق ان لوّحت التصريحات في طهران، بل انها قد تقوم بعدوان على الجنوب ولبنان له هدفان:
الاول محاولة تعطيل هذه الصواريخ وضربها قبل ان تنطلق. والثاني محاولة محو التداعيات التي تركها عدوان صيف 2006 على هيبة اسرائيل وقوتها الرادعة التي فشلت في تحقيق اهدافها أمام "حزب الله".
في اي حال، سواء كان لبنان "الخاصرة الرخوة" او "الخاصرة الملتهبة"، فإن ذلك يطرح جملة من الاحتمالات الداهمة والدقيقة التي تفرض وجود حكومة قوية متضامنة ومتفاهمة "تلمّ شمل الجميع وتكون قادرة على العمل"، كما يطالب الرئيس سعد الحريري.