فيلم “السفاح”: تقديس الشر بنكهة مصري

يبدو أن شبح السينما الهوليودية لا يزال يلقي بظلاله على الساحة السينمائية المصرية، وهو ما تجلى بفيلم النجم المصري هاني سلامة الجديد "السفاح"، فالفيلم يعد خليطا عجيبا بين أفلام الإثارة والحركة والرومانسية أحيانا، مع توابل ميلودرامية تجعل متابعته أمرا صعبا

فأحداث الفيلم تدور على طريقة المشاهد الارتجاعية "الفلاش باك"، حيث يقوم بطله مراد، (هاني سلامة،) بانتحال شخصية رجل شرطة ليرتكب جريمة جماعية في رمضان 1991، إذ قتل عائلة أحد المليونيرات الفاسدين وزوجته وابنه بدم بارد، إضافة إلى بعض الجيران، مما يمثل عنصر مفاجأة مثير، يشد الجمهور لرؤية الفيلم




ويعيدنا سيناريو خالد الصاوي وعطية الدرديري، بالأحداث إلى الوراء لرؤية كيفية تحول مراد إلى وحش بشري، لنرى أن والديه تطلقا وهو صغير، مع إيحاء بأن والدته، سوسن بدر، كانت قد هجرت أباه بسبب علاقة غير شرعية مع رجل آخر، مما يحطم فؤاد الطفل مراد، ويدفعه إلى أن يصبح فتى عنيفا، يود الثأر من المجتمع

وتجلى هذا الثأر عند مثوله  أمام ضابط شرطة، (ناصر سيف،) نظرا لسرقته أموال والدة أحد أصدقائه، حيث اعترف مراد بأنه أقدم على السرقة لا بدافع الحصول على المال بل فقط للانتقام، مشيرا أنه يود "أن يحرق قلب الآخرين" مثلما احترق قلبه إثر أزمته العائلية

ويتابع الفيلم إبراز تطور شخصية مراد، على طريقة العد العكسي وصولا إلى المجزرة التي ارتكبها أول الفيلم، لنرى أنه قاتل ضمن صفوف القوات العراقية في حرب بلادهم مع إيران في ثمانينيات القرن الماضي، لا إيمانا بأي قضية بل فقط لإرواء ظمأه من إراقة الدماء، ليلتقي "سفاحا" آخر، اللبناني "أبورعد" (خالد الصاوي)، الذي يقنعه بأن مهنة القتل مجدية وتأتي بالكثير من الأموال لأصحابها

وينتقل كلاهما إلى لبنان، أثناء حربه الأهلية بنفس الفترة، للعمل كمرتزقة، ليقوم مراد بإطلاق النار على "أبو رعد" بناء على أوامر الجهة التي وظفتهما كمرتزقة لديها أثناء القتال، ليعود إلى مصر ويبدأ مشواره بالعمل في تجارة السلاح، والذي يقوده إلى عدة صولات وجولات دموية في هذا الوسط الخطير

وعلى صعيد آخر يلتقي بسيدة جميلة متزوجة، (نيكول سابا،) ويقيم معها علاقة غير شرعية، ليدفعها أن تترك زوجها لاحقا ويتزوجها، تاركة ابنها الكبير الذي كان شاهدا على لقاءاتهما السرية الساخنة، في تكرار لما جرى له عند طلاق والديه

وتأتي ذروة الفيلم عندما يحاول مراد ابتزاز عالم ذرة مصري، نبيل الحلفاوي، عبر تهديده بقتل عائلته للحصول على "مايكروفيلم" ليبيعه لجهة أجنبية، حيث تفاجئ "السفاح" رباطة جأش العالم، الذي يغلب انتماءه الوطني على تهديدات مراد، مما يدفع الأخير إلى التراجع عن العملية، ولكن ليس قبل أن يخبر العالم – في لحظة صدق مع الذات وربما في مشهد "لتقديس الشر" على طريقة الأفلام الأمريكية – بأنه يشعر بالنشوة وباستعلائه على البشر عند قتله للناس

وعوضا عن ذلك يذهب مراد إلى عائلة مليونير معروف باحتياله على الناس لينفذ المجزرة التي ابتدأ بها الفيلم، في إشارة إلى تحويل البندقية إلى "الأعداء الحقيقيين" للوطن

يذكر أن الفيلم مقتبس عن قصة حقيقية حول مصري قام بارتكاب مجزرة شهيرة بحي المهندسين عرف باسم "سفاح المهندسين"، واللافت أنه من إخراج المخرج الواعد، سعد هنداوي، الذي يبدو أنه رغم ضبطه المتقن لأداء الممثلين، لم يستطع أن ينفذ بعض لقطات "الآكشن" بنفس البراعة في الفيلم

ومن جهة أداء الممثلين في الفيلم، نلاحظ أن القدير خالد الصاوي لعب دور "أبو رعد" اللبناني، ببراعة فائقة مقلدا اللهجة اللبنانية وحتى الشتائم المحلية في ذلك البلد، ما جعل منه "فاكهة" هذا العمل السينمائي

بينما تمكن هاني سلامة من التقاط خيوط شخصية "مراد" عبر إبرازه تناقضاتها، والذي كان يبدو أحيانا أشبه بالفتى الضائع الحزين والباكي على أطلال الماضي، ليظهر لاحقا بصورة وحش آدمي لا يتورع عن فعل أي شيء لقتل الناس