الجنرال يتأخر في التقاط الجديد ويفرض على “التيار” اختباراً مرّاً – نصير الأسعد – المستقبل

لا وجود لنصّ دستوري يمنع توزير مرشح خاسر في إنتخابات نيابية لم يمضِ على حصولها شهران ولم يجفّ بعدُ حبر نتائجها.
"العرف": الوزارة ليست تعويضاً
ذلك أنه ليس في التاريخ اللبناني قبل إتفاق الطائف ودستوره وبعدهما "عرف" من هذا النوع. وحقيقة الأمر هنا أن "العرف" الذي يتم الإستناد اليه مبنيّ هو نفسه على إعتبار سياسي أخلاقي مركّب. وهذا الإعتبار "يقول" إن الوزارة ليست هدية أو مكافأة تقدم الى من لم يحالفه الحظ في أن يكون نائباً، بل ليست هدية أو مكافأة تُعطى لمن قرر الشعب عدم إنتخابه نائباً عنه في دائرة من الدوائر، محاسبة له على خطه السياسي أو على طبيعة علاقته بدائرته وناسها.
كذلك فإن الإعتبار السياسي الأخلاقي يأخذ في الحسبان حقيقةَ أن في الدستور نصاً على الظروف التي تجعل الحكومة القائمة مستقيلة "حتماً". ومن أهم تلك الظروف أن الحكومة تصبح في حكم المستقيلة بعد الإنتخابات النيابية. وهذا ما يعني أن الحكومة القائمة تستقيل حتماً إحتراماً لإختبار شعبيّ ديموقراطي من ناحية وأن على الحكومة الجديدة بعد الإنتخابات أن تحترم الإختبار.. من نجح فيه ومن سقط من ناحية ثانية.

مثال "القوات" في فصل الوزارة عن النيابة
وفي الإعتبار السياسي الأخلاقي أيضاً أن جهة سياسية معينة لا تستطيع "الهروب" بإتجاه إعتماد مبدأ فصل الوزارة عن النيابة، في لحظة معينة.. فقط لأن مثل هذا "الهروب" يفيدها، في حين أن تلك الجهة السياسية كانت الى ما قبل أسابيع قليلة تضع من ترشحهم للوزارة اليوم في مقدم الكتيبة السياسية الصدامية في المعركة الإنتخابية السياسية.
وما يجعل محاولة توزير مرشح خاسر في الإنتخابات مكشوفة اليوم، أن هناك فريقاً سياسياً خصماً للجهة صاحبة المحاولة المكشوفة، سار منذ العام 2005، أي من لحظة دخوله الى الحياة البرلمانية بعد التضييق عليه زمن الوصاية السورية، في مبدأ الفصل بين الوزارة والنيابة بلا إنقطاعات "مصلحية"، فكان له وزراء غير نواب في الحكومتين السابقتين، وهو يرشح الى عضوية الحكومة العتيدة اليوم أشخاصاً من خارج "النادي النيابي".. أي أن هذا الفريق لا يسمح لأعضائه ومناصريه أن يجربوا حظهم في النيابة فإن لم يوفقوا عوّضهم بالوزارة. وليس خافياً هنا أن الفريق السياسي المقصود هو "القوات اللبنانية".




توزير باسيل.. و"التباس" 2005
على أن في الإعتبار السياسي الأخلاقي نفسه جانباً يقتضي تسليط الضوء عليه. فالمقدمات الآنفة التي تتناول مسألة توزير مرشحين خاسرين في الإنتخابات النيابية بـ"مناسبة" ما يُطرح هذه الأيام عن تمسك العماد ميشال عون بتوزير الوزير الحالي جبران باسيل وربما الوزير الآخر ماريو عون الخاسر نيابياً أيضاً، إنما تهدف أي المقدمات الى كشف التناقض في ما يطرحه الجنرال.
ذلك أن عون، ومنذ العام 2005، أصر على أن تتشكل الحكومات بالإستناد الى نتائج الإنتخابات، كما يقرأها هو طبعاً. لكنه ربط ويربط "كل شيء" بالإنتخابات ونتائجها.. إلا التوزير وأسماء الوزراء من جانبه. فأين المنطق في ذلك بل أين الصدقية؟
وإذا كان الجنرال يبني إصراره على توزير باسيل على سابقة دخول باسيل الى الحكومة الأخيرة التي تلت "اتفاق الدوحة"، في أيار 2008، فإن "الواجب" يقضي تذكيره بأمرين. الأول هو أن حكومة 2008 لم تكن الحكومة التي تلت مباشرة الإنتخابات النيابية التي سقط فيها الوزير. والثاني هو أن عون كان حتى حصول الإنتخابات الأخيرة في 7 حزيران الماضي، يبني على "إلتباس" أن جبران باسيل كان ناجحاً في إنتخابات القضاء (البترون) في حين خسر في المحافظة، الدائرة الإنتخابية المعتمدة في 2005. لكن الوضع مختلف اليوم إذ لا إلتباس من أي نوع كان، وباسيل خسر في القضاء الدائرة الإنتخابية.
إن ما تقدم يناقش مسألة توزير مرشح خاسر ضمن حكومة، المعيار الأساسي في تشكيلها أن تكون مستندة الى نتائج الإنتخابات، أي حكومة تتمثل فيها القوى السياسية بوزراء نواب ناجحين وبوزراء "إكسترا برلمانيين" لم يخسروا الإنتخابات الأخيرة.

تحدي "التيار" وكفاءاته
على أن ثمة شأناً يتعلق بـ"التيار الوطني الحر" نفسه، بعد الإعتبار السياسي الأخلاقي "العام" السالف الذكر.
فعندما يتمسك الجنرال بجبران باسيل وزيراً في الحكومة المقبلة، فذلك يعني، على إفتراض أنه يحق للتكتل العوني بوزيرين مارونيين، أنّ عون يقول للنواب الموارنة في التكتلّ إن باسيل بـ"قيمة" خمسة منهم على الأقل! ويعني أن عون يقول للكفاءات في تياره من غير النواب إن أحداً لم يبلغ مستوى كفاءة باسيل! فهل في ذلك تعاطٍ "أبوي" أو "راعوي" مع "التيار" أي تعاط يتيح فرصاً متساوية أمام الكفاءات؟
قبل يومين، وتزامناً مع تنامي الحديث عن إصرار الجنرال على توزير باسيل، دار نقاشٌ بين وجهتي نظر. الأولى يمكن إعتبار أنها لا تمانع في تعميق "التناقضات" داخل "التيار" أو في تأزيم وضعه. وترى ضرورة الموافقة على طلب عون توزير باسيل ما يُسهم في إيجاد "توتّر عال" في "التيار". أما الثانية فترى العكس، أي أن يتمّ إحترام الإعتبار السياسي ـ الأخلاقي "العام" ومضامينه من جهة وأن يُعيد باسيل من خارج الوزارة ـ والنيابة ـ قراءة تجربته القيادية في "التيار" إستعداداً لمرحلة مقبلة من جهة ثانية وأن يُفسح في المجال تالياً أمام مراجعة شاملة ضمن "التيار" للتجربة ككل خصوصاً في ضوء ما أظهرته نتائج الإنتخابات النيابية الأخيرة من مؤشرات ودلالات من جهة ثالثة.

الحليفان.. وتأخّر الجنرال ومكابرته
في جميع الأحوال، وإذ تبدو الأمور متجهةً نحو إعتماد نتائج الانتخابات معياراً أساسياً لتشكيل الحكومة، ثمة ما لا بد من "كشفه" في السياق السياسي الراهن.
من الواضح أن الحليفَين الكبيرَين للجنرال أي "أمل" و"حزب الله" وافقا على قيام حكومة الائتلاف الوطني من ضمن قواعد الدستور، أي من دون "ثلث معطّل" مباشر أو مموّه.. وبالتأكيد من دون "نسبيّة".
ومن الواضح أن الحليفَين ـ بدرجة متفاوتة بينهما ـ "منزعجان" من عدم مواكبة الجنرال ـ حتى الآن ـ للتطوّرات الإيجابية على صعيدَي تشكيل الحكومة والعلاقة برئيس الجمهورية ودوره "الضامن"، و"منزعجان" أيضاً من تكبيره الشروط.
.. من الواضح إذاً أن الجنرال لا يزال على "عادته". فهو ليس سريعاً في التقاط الإشارات والمتغيّرات. ولا يلاحظ أموراً بذاتها إلا متأخراً. أو أنه إذا التقط ولاحظ "عاند" و"كابر".. منفرداً. ألم يحن أوان إعادة النظر بهذه "العادات" والتأسيس لسياسة ومنهجيّة جديدتَين؟