قبل أن يجفّ 7 حزيران ! – نبيل بومنصف – النهار

لم تكن الاستباحة الميليشيوية للأحياء الآمنة والآهلة في بيروت أسوأ أنواع الاستعادات الفوضوية وحدها ليل الاحد الماضي، بل واكبها نوع آخر لا يقل سوءاً، هو طيف استعادة الشارع اللبناني كساحة توظيف في الضغوط او المناورات او التسويات ومشاريع التفاهمات العربية والاقليمية.
حاذَرَ معظم الساسة مقاربة هذه النقطة لدواع مختلفة ومتناقضة، بعضها يعود الى موجبات التحفظ على اعتاب مفاوضات "قادة الطوائف" حول تشكيل الحكومة الجديدة، وبعضها الآخر الى نيات مبطنة ترصد مفعول الهجمة الميليشيوية المضبوطة الإيقاع تماما على توقيت ملتهب عشية الاستحقاق الحكومي. ولكن أسوأما اكتشفه اللبنانيون الذين بالكاد خرجوا من انتخابات مزهوة بطابعها الملبنن الصرف، هو ان الرصاص الملعلع في ليل بيروت لم يكن وليد سليقة ميليشيوية مريضة ومدمنة ترهيب الناس فقط، بل كان إيذانا بمفاوضات عابرة للحدود تنخرط فيها مباشرة ومداورة سوريا والسعودية ومصر وفرنسا واميركا وايران وسائر "ابرشية" الدول "المانحة" والممنوحة بكرم سخي الاطلالة المتجددة على "الساحة" اللبنانية.

ولأن تاريخ الازمات في لبنان حافل بتجارب استدراج "الوساطات الحميدة" عبر تحكيم السلاح واشعال البؤر، ضاعت هوية مستبيحي الأحياء الآمنة ليل الاحد لكي يبقى "الغموض البناء" سيد الموقف وتستوي مفاعيل الرسائل الموجهة الى من يعنيهم الامر في الداخل والخارج ويبنى على الشيء مقتضاه. فلا حكومة من "صنع لبنان" قبل او "في موازاة" او "بالتزامن" على الاقل مع تفاهمات عربية – اقليمية – دولية استطابت الدوحة وانماطها وسائر مشتقاتها، ولو ترك للبنان في النهاية ان يصنع "دوحته" الجديدة، بحكومة لا يعرف احد كيف ستأتي وفية للاستحقاق الانتخابي الذي استولدها.
ربما يهلل اللبنانيون، او معظمهم، لتهافت الوساطات الحميدة ان كانت تعدهم بكسح الالغام الخارجية امام تشكيل الحكومة. لكن ذلك لا يمنع تساؤلات قلقة، ومحاذير اشد قلقا، من ان تثار على اعتاب مرحلة يفترض ان تحمل بذور تغيير ولو بالمقدار الذي حملته التعبيرات الجوهرية لنتائج الانتخابات.




فأي ثمن سيرتب نجاح "الوساطات الحميدة" على تركيبة الحكومة العتيدة وعملها؟ واي مضاعفات قد يتركها فشل هذه الوساطات على لبنان؟
ولو صح ان التقارب السعودي – السوري هو مفتاح الانفراج اللبناني، وان التقارب السوري – الاميركي هو قاعدة الاستقرار السياسي، فأين 14 آذار و8 آذار سواء بسواء من "الاجندة" الخارجية التي دفعت برياح التقارب المزدوج هذا الى الواقع الداخلي، ناهيك بما يتلهف اليه لاعبون مقتدرون آخرون مثل ايران؟
ثم لماذا لا يغدق الزعماء اللبنانيون "عنترياتهم" سوى في لعبة "التعجيز" و"التشريط" والمطالب المستحيلة والمتضاربة والمتصارعة الى حد الافساح تكرارا امام كل انواع الوساطات والمداخلات والتدخلات فيما تصدح فوق ساحات الوغى الداخلية شعارات السيادة والاستقلال والوحدة والشراكة وكل اناشيد التلاعب بعقول الناس وعواطفهم؟
وهل ما يجري هو بداية تجويف لنتائج الانتخابات، او فخ محكم ضرب في ليل فوز 14 آذار، فكمن "مجهولون" لهذا الفوز عند مفترق الاستحقاق الحكومي؟ وهل ستدع 14 آذار بذريعة او بسواها، ايا كان، يحرمها حقها الدستوري الطبيعي في ترجمة هذا الفوز؟
وماذا عن سوريا؟ ولماذا لا يمر التطبيع الكامل عبر رئيس الجمهورية تبعا لمقررات قمته الثنائية مع الرئيس السوري؟ وهل يمر ثمن فوز 14 آذار بتطبيع علاقاتها مع السعودية؟
وماذا عن السعودية؟ وهل يمر تعبيد طريق رئيس الحكومة المكلف بمنح المعارضة موقعا مستعادا كما لو ان 7 حزيران لم يحصل، وقبل ان يجف مداد هذا التاريخ الطري؟
وماذا عن المعارضة لو لم تنل الثلث المعطل؟ وهل ما تنبأ به الفرنسيون قبل الانتخابات حول "الدوحة – 2" حطّ رحاله ليل الاحد في عائشة بكار؟