هل اضاعت بكركي البوصلة السياسية ؟ – ادمون صعب – النهار

"إذا كان الحق لا يستطيع الدفاع عن نفسه بنفسه، وكانت القوة هي المكمل الضروري الذي يحول دون أن يغمر الظلم العالم، فيجب البحث عن القوة حيث هي وجعل الحق يعيش في كنفها".
ميشال شيحا
(11/ 5/ 1951)

مرة أخرى ينتصر العقل ويقود الهدوء والروية وحس الرؤية الجماعة الى الخروج من النفق.
ومرة أخرى تصدق توقعات الرئيس نبيه بري الذي نادى منذ انتهاء الانتخابات بوجوب إجراء "خلطة" حكومية تضم طرفي المعادلة في البلاد 14 آذار و8 آذار، مهتدين بروح اتفاق الدوحة الذي أنتج رئيسا للجمهورية، وحكومة وحدة وطنية، وقانون انتخاب جرت على أساسه انتخابات أجمع الداخل والخارج، على أنها كانت نزيهة وشفافة.




وعلى رغم الحرب التي شُنت على اتفاق الدوحة، والرفض الذي رافق اعادة الأخذ به لتحقيق  التسوية السياسية الداخلية على اساس جمع فريقي 14 آذار و8 آذار على مقاعد في حكومة واحدة وإيجاد مخرج "خلاق" لموضوع "الثلث المعطل" الذي منحه اتفاق الدوحة للمعارضة وتجاوز فيه عِقَدَ الطائف ونواقصه بتخصيص رئيس الجمهورية بحصة في الحكم تحددت في ثلاثة وزراء، مع ان اتفاق الطائف حرمه هذا الحق ومنع عليه أي دور إجرائي يكون فيه الآمر، مكتفيا بدور الراعي حصراً – فإن روح الدوحة قد انتصرت مجدداً باعطاء الرئيس ميشال سليمان خمسة وزراء بدلا من ثلاثة، وإن يكن الوزيران الاضافيان بمثابة "وديعتين" لديه.

 وصحت حسابات الرئيس المكلف سعد الحريري بأن تأليف الحكومة يحتاج الى حد أدنى من الوقت، والصمت، والكتمان. وأن لا إمكان للوصول الى التكليف قبل إتمام المصالحات، وإنجاز تقارب بين المختلفين على قضايا أساسية سبق أن أدت الى صدامات دموية في الشارع. لذلك هو انتظر إنضاج التفاهم الداخلي، بدعم من التوافق الخارجي وخصوصا السعودي – السوري، لتحديد النقطة التي تصلح للانطلاق منها. وهو باشر اتصالاته ومشاوراته للتأليف بالافرقاء المختلفين في خط مواز للمصالحات وفي طليعتها المصالحات الشيعية – الدرزية من أجل غسل القلوب وإزالة آثار أحداث 7 أيار بدعم قوي من الزعيم الدرزي وليد جنبلاط الذي أوكل الى الامير طلال أرسلان في تفاهم 11 ايار مهمة التوفيق بين المقاومة والدروز، وخصوصا دروز الجبل.

ولعل أكثر ما ساعد في إنجاز التفاهم على ما أطلق عليه الرئيس المكلف "حكومة الائتلاف الوطني أو الوحدة الوطنية" والتي عارضها كثيرون وخصوصا من أطراف أساسيين في قوى 14 آذار، التطورات المقلقة في الجنوب بعد انفجار مستودع الاسلحة والذخيرة في خربة سلم، والصدام الذي حصل اثر ذلك بين الاهالي ووحدة من القوة الدولية سقط فيها 14 جريحا من عناصر القوة، وكان سبقها خرق اسرائيلي في منطقة كفرشوبا المحتلة. وقد عُطفت على هذا الجو الجنوبي التحركات التي تشهدها المنطقة في نطاق عملية السلام وتقاطر المبعوثين الاميركيين الى اسرائيل وفي مقدمهم وزير الدفاع روبرت غيتس، ومستشار الامن القومي الجنرال جيمس جونز، والمبعوث الخاص بالرئيس باراك أوباما السناتور جورج ميتشل، والسفير دنيس روس مستشار أوباما لشؤون الشرق الاوسط. كما عجلتها التهديدات المتبادلة بالحرب بين تل أبيب وطهران مما أوجد توازن رعب بينهما لا يستطيع لبنان تجاهله في ظل وجود تهديدات اسرائيلية مستمرة للبنان بسبب سلاح "حزب الله" وتخوف تل أبيب من امكانات استعماله ضدها في حال هاجمت طائراتها الحربية المنشآت النووية الايرانية وردت طهران عليها بقصف المنشآت النووية الاسرائيلية بصواريخها البعيدة المدى، وصدور تعليمات من الولي الفقيه الايراني الى "حزب الله" بمساندة طهران في حربها مع اسرائيل.

وقد أكد الحريري لدى خروجه أول من أمس من قصر بعبدا بعد لقائه الرئيس سليمان، انه "بعد شهر من الحوار الجدي مع فخامة الرئيس والكتل النيابية أصبحت الصيغة الحكومية نهائية تقريبا (…) وسنصل الى حكومة الوحدة الوطنية لمواجهة الصعوبات في البلد".
وحتى لا تكون حكومة الوحدة ابتعادا عن الاتفاق الذي جعل مجلس الوزراء المكان الذي يُصنع فيه القرار وتشارك فيه القوى الاساسية الممثلة للطوائف، وكي لا يفرض الرئيس المكلف الوزراء على طوائفهم، وتحميلا لهذه القوى المسؤولية الكاملة عن المشاركة ونتائجها، قرر ان يدعو القوى الاكثر تمثيلا لطوائفها الى أن تسمي وزراءها في الحكومة، وهذا نهج جديد يعبّر عن روح الطائف. وهو قال في هذا المجال: "وفق تركيبة هذه الحكومة، يظهر أن الجميع مشاركون فيها، ويسمّون وزراءهم بأنفسهم، وهذا يشكل فعليا حكومة الائتلاف الوطني أو الوحدة الوطنية".
وثمة ما استوقف المراقبين حيال هذا السياسي الشاب الذي عرف كيف يدخل العمل السياسي المسؤول من باب الصراحة والوضوح والواقعية المتعقلنة، وبالبساطة والتكتم، بعيدا عن التبجح. وتساءلوا عن سره. وما لبثوا أن اخذوا الجواب من الرئيس نبيه بري الذي وجد فيه سر ابيه. وكان رئيس المجلس راهن على أن التأليف لن يتجاوز آخر الشهر، ليقينه ان المفتاح هو التفاهم على المبادىء والاتفاق على النقاط التي تشكل موضوع خلاف بين فريقي 14 آذار و8 آذار وفي مقدمها سلاح "حزب الله" وموضوع المقاومة، وطريقة إدراجهما في البيان الوزاري، بعدما أدت الصيغة "الخلاقة" الى حل عقدة "الثلث المعطل" بجعل الرئيس ميشال سليمان الضامن للوفاق بين الطرفين، وسبق له القول ان الحكومة المقبلة ستكون "جامعة واعدة، حاضنة، حكومة ضامنة، بكل أطيافها ضامنة وليس بجزء منها"، وأن الرئيس هو "حامي الدستور وعليه تبعة المحافظة على الدستور وحمايته، وبالتالي تمكينه من الفصل والبت بأي خلاف. ومطلوب من الرئيس التوافقي والتوفيقي ليس إدارة التوازنات إنما بلورة الحلول المتوازنة، وفرض هذه التوازنات وضمان قيامها، والحسم دائما لمصلحة الوطن الواحد ومصالحه الوطنية العليا".
ولقد أوحى الرئيس بري بعد لقائه الرئيس سليمان أول من أمس في بعبدا "أن العملية التي تتعلق بتأليف الحكومة لها في البداية عملية سياسية، ويمكن الجزم الآن أنها انتهت".
وأكد التفاهم مع الرئيس المكلف على "التوجه العام للبرامج والخطط التي ستسيّر عليها وتواكبها الحكومة من ثم خريطتها العربية والدولية. كل هذه الأمور، بالاضافة الى مواقفها من المواضيع الوطنية والمقاومة وغيرها أصبحت ضمن العملية السياسية، وما نستطيع أن نعتبر أنه أصبح متفقا عليه". وقال للنواب في "لقاء الاربعاء" ان "الاطار العام للحكومة أصبح منتهيا. وثمة تفاهم كبير على البيان الوزاري".

لكن المفارقة الغريبة في ما جرى هو أنه في الوقت الذي كانت الاكثريتان السنية والشيعية تتفقان "على المواضيع الوطنية والمقاومة وغيرها"، أي على استمرار مفاعيل اتفاق الدوحة لجهة عدم اللجوء الى السلاح في مقابل عدم استفزاز المقاومة، وعدم تفرد المقاومة بقرار الحرب وحصر السلاح في الدفاع عن لبنان ضد أي اعتداء اسرائيلي وأخذ قوة المقاومة في الاعتبار موضوعيا، في معزل عن الموقف من "حزب الله" وارتباطاته الخارجية، ايرانية كانت أم سورية – في هذا الوقت كان هناك طرف مسيحي بقيادة بكركي يهاجم فكرة حكومة الوحدة الوطنية ويرفضها على أساس أنها مخالفة لاتفاق الطائف، وأن الديموقراطية التوافقية "هرطقة"، وأن الحكم الديموقراطي هو أكثرية تحكم وأقلية تعارض في تجاهل تام للأوضاع الداخلية والاقليمية التي تحتّم قيام حكومة اتحاد وطني. اضافة الى ان مثل هذه الحكومة ستكون، في حال قيامها، مثل حصانين في طرفي العربة كل منهما يجر العربة في اتجاه، وسبق للراعي أن فتح معركة مع فريق مسيحي أساسي في الانتخابات وخسرها، ويا للأسف، بتحذيره القطيع من ذئبين تصور أنهما يهددان الكيان والعروبة في لبنان. واستمر في الصراخ طوال ليل البرية: "الذئب… الذئب… الذئب على الأبواب، واحد من بلاد فارس وآخر من بلاد الشام"، فاذا الصباح ينجلي على خنازير برية تعبر الحدود من أرض داود الى بلاد الارز وتهاجم قطعان الابقار والثيران قرب بركة بعثائيل!

فماذا يريد المسيحيون أكثر من عزلهم وتهميشهم، بعد سباحتهم عكس التيار وتجاهلهم الاوضاع التي يمر بها لبنان والمنطقة؟
وهل سيطلبون غدا من الرئيس المكلف أكثر من أثمان وقوفهم مع الاكثرية في مواجهة مسيحيين آخرين في المعارضة سيطلبون بدورهم أثمان مواقف مماثلة، بعدما تجاهلت بكركي والمسيحيون الذين يرون رأيها أن الاخطاء التي ارتكبت في الطائف ووفرت لها بكركي تغطية سياسية، ولا تزال، قد ألغت الاكثرية التي كانت مسيحية أساسا مطعمة بسنة وشيعة ودروز في فريقين دستوري وكتلوي، وحلّت مكانها أكثرية اسلامية، سنية تارة وشيعية طورا، ملونة في شقيها بمسيحيين ودروز، شكل وجودهم داخلها ديكوراً بل فولكلوراً لأنه لم يعد للمسيحيين داخل الصيغة التي انبثقت من الطائف دور فاعل. وأكد الرئيس شارل حلو في مقابلة تلفزيونية أجراها معه الاستاذ غسان تويني بعد الطائف أن أي أكثرية ستكون أكثرية طائفية واسلامية في الدرجة الاولى بعد سحب الصلاحيات الاجرائية من رئيس الجمهورية وتحويلها الى مجلس الوزراء الذي يترأسه سنّي.
ورب سائل: مَنْ يحاسب مَنْ عما حصل للمسيحيين في لبنان، من الحروب العبثية على أنواعها، الى أخطاء الطائف وصولا الى التجنيس الذي كشفت الانتخابات آثاره الكارثية على المسيحيين في كل المناطق المختلطة، وقدرت دراسة عرضها أول من أمس في حوار تلفزيوني وزير الاتصالات جبران باسيل ان المجنسين الـ240 الفا أصبحوا اليوم، أي بعد قرابة 15 سنة، 750 الفا اذا لم يكن أكثر… وينتظرنا مثلهم في التوطين اذا فرض علينا مثل التجنيس؟
انه وضع محزن انحدر فيه المسيحيون من 60 في المئة الى 40 في المئة بفعل الهجرة والتجنيس، لا بد أن يكون هناك مسؤولون عنه، وطريقة واضحة لمساءلتهم خارج كرسي الاعتراف الذي لم يعد يجذب اليه أحدا.
وربما لم يبق لهم سوى الله للشكوى والمحاسبة!