مسؤولية الخطأ في القيادة السياسية – محمد السمّاك – المستقبل

من يصنع الآخر، القائد أم التاريخ؟.
بعض القادة يصنعون التاريخ. وبعضهم يصنعهم التاريخ. وقد عرف لبنان قادة من النوعين.
فالرئيس رفيق الحريري والرئيس فؤاد شهاب، ومن قبلهما الرئيس رياض الصلح يرحمهم الله هم، من صنّاع التاريخ اللبناني. الرئيس الصلح صنع الاستقلال وأرسى قواعد الوحدة الوطنية بين اللبنانيين، وبلور عناصر هويته العربية. والرئيس الحريري أعاد بناء لبنان من العدم، من صناعة اتفاق الطائف، الى تكريس دولي لحقّه في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي، فإعادة بناء بنيته الاقتصادية.

كذلك فإن الرئيس الراحل فؤاد شهاب نقل لبنان من حالة التشرذم والتفسخ الذي وقع فيها في عام 1958 الى حالة الدولة، دولة الاستقلال. فاستحدث مجلس الخدمة المدنية، والتفتيش المركزي والتفتيش القضائي وسواها من المؤسسات التي لم يعرفها لبنان منذ استقلاله في عام 1943.
وهناك العديد من القادة الذين صنعهم تاريخ الأزمات اللبنانية المتعاقبة، من أزمة 1958 الى أزمة 1975-1990، ومن أزمة 2003 حتى اليوم. ولا حاجة للتسمية فاللائحة طويلة.
وفي العالم العربي قادة من النوعين أيضاً؛ فالملك عبد العزيز آل سعود مثلاً، صنع التاريخ بتوحيد شبه الجزيرة العربية، وإقامة المملكة. والرئيس عبد الناصر صنع التاريخ بثورة 1952، والرئيس أنور السادات صنع التاريخ بالتسوية المنفردة التي عقدها مع إسرائيل في عام 1979، والرئيس أحمد بن بيلا صنع التاريخ بقيادة الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الاستيطاني الفرنسي. والسلطان قابوس بن سعيد صنع التاريخ بوقوفه ضد حركة ظفار وبحلّ المشاكل الحدودية مع اليمن، ومن ثم قيادة النهضة الاقتصادية والتنموية في السلطنة، مما حفظ لدول الجزيرة العربية كلها نسق الحياة الذي تنعم به في الوقت الحاضر ونجّاها من خطر انتشار الماركسية التي كانت حركة ظفار ترفع لوائها بدعم من اليمن الجنوبي في السبعينات من القرن الماضي.




وهناك قيادات عربية عديدة أخرى صنعها تاريخ الأزمات التي عصفت بالمنطقة وأفرزتها الأحداث التغييرية التي مرت بها. واللائحة هنا طويلة أيضاً.
يصنّف عالِم الاجتماع الألماني الشهير ماكس فيبر القادة الى ثلاثة أصناف: القادة التقليديين، والقادة الإداريين، والقادة الملهمين.
الصنفان الأولان يصنعهما التاريخ. والصنف الثالث هو الذي يصنع التاريخ.
يعرف لبنان والعديد من الدول العربية الأخرى، قادة مارسوا القيادة السياسية بعقلية إدارية. ولوزير الخارجية الأميركية الأسبق الدكتور هنري كيسنجر وهو أستاذ في علم السياسة، نظرية يشرح فيها الفوارق الكبيرة بين الاثنين. فالقائد الإداري يتصرف على أساس ما لديه من معطيات واضحة ومحددة. وهو بالتالي يتخذ قراراته على حسابات لا تقبل الخطأ. فعنده واحد زائد اثنين يساوي ثلاثة.

أما القائد السياسي فإنه يعتمد على الحسّ والرؤيا متجاوزاً الحسابات المحدودة. وبالتالي فإنه يتخذ قراراته على حسن التصور وليس على دقة الحساب. وتتسم قراراته بروح المغامرة متجاوزة حدود مساحة النظر الى حدود مساحة البصر (الرؤيا).
ولذلك فإن القائد الإداري لا يتصور نفسه مخطئاً، ولا يتحمّل أن يُتهم بالخطأ. أما القائد السياسي فإنه يعرف أنه إذا نجح فإن نجاحه يكون باهراً وصانعاً للتاريخ. أما إذا فشل فهو يعرف أن عليه أن يتحمّل المسؤولية وأن عليه أن يعدّ نفسه لمواجهة مثل هذا الاحتمال. وهذا ما فعله مثلاً الجنرال دوايت ايزنهاور في عام 1944 عندما وضع خطة النزول في النورماندي على الشاطئ الفرنسي المواجه لبريطانيا. وهي أكبر عملية عسكرية تُعرف باسم "دي داي" وجّهت الضربة القاصمة للنازية الألمانية.
فبعد أن أنجز خطة الهجوم ووزّع الأدوار على القوات المتعددة، وضع الجنرال ايزنهاور رسالة لتُنشر في حال فشل الخطة. وقد جاء في هذه الرسالة:

"إن قراري بشنّ الهجوم في هذا الوقت وفي هذا المكان يستند الى أفضل المعلومات المتوفرة لدينا. لقد قامت القوات البرية والبحرية والجوية بشجاعة كبيرة بكل ما كان عليها أن تقوم به، وقدمت التضحيات التي يحتمها الواجب. فإذا كان من لوم على هذا القرار أو من خطأ في تنفيذه، فإنه خطأي وحدي وأنا أتحمّل مسؤوليته".
لم تُنشر رسالة الجنرال ايزنهاور لأن خطته نجحت. فكان بذلك صانعاً للتاريخ مما أوصله الى البيت الأبيض رئيساً للولايات المتحدة. غير أن المهم في رسالته هو أنه كان قائداً سياسياً وليس إدارياً. ومن مواصفات هذه القيادة أن يتحمّل القائد مسؤولية قراراته لا أن يلقي اللوم فيها على الآخر. وهذه المواصفات تغيب مع الأسف عن بعض القيادات التي صنعها التاريخ سواء في لبنان.. أو في بعض الدول العربية الأخرى.

فلوم الآخر أصبح جزءاً من عملية اتخاذ القرار السياسي والإعداد له. إن كل ما يجري في لبنان مثلاً من اضطرابات ومن تعثر تُلقى تبعاته على عاتق الآخر. فلم يسبق لرجل سياسي أن اعترف بخطأ ارتكبه أو اعتذر عن خطأ وقع فيه. كذلك فإن كل ما يجري بين الفلسطينيين من انقسامات وصراعات يحمّل الآخر مسؤوليته. والآخر هنا يتراوح بين إيران وإسرائيل. حتى ان إيران اليوم تلقي على الآخر مسؤولية ردود الفعل الاحتجاجية على الانتخابات الرئاسية الأخيرة. ولائحة الأمثلة أطول من أن تعدّ أو أن تحصى!.
ونشير تحديداً الى أزمة الصحراء الغربية بين المغرب والجزائر والبوليساريو، والى أزمة دارفور بين السودان وتشاد، والى أزمة الصومال التي تطحن يومياً العشرات من الضحايا.. إلخ.
وطالما أن الآخر "معلوماً كان أو مجهولاً"، هو دائماً المسؤول.. فلماذا التغيير؟.. أو حتى لماذا إعادة النظر في السياسات أو في القرارات؟.
عندما استقال الرئيس جمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967، "اضطر" للعودة عن الاستقالة تحت الضغط الشعبي (؟) لأن الناس اقتنعت – أو أقنعت – بأنه لم يكن مسؤولاً عن الهزيمة.. أما المسؤول فقد انتحر (عبد الحكيم عامر). ولا نعرف أنه جرت محاكمة أو محاسبة لتصحيح الخطأ.

إن حسنات الديموقراطية أنها تصحح ذاتها بذاتها، من خلال المساءلة والمحاسبة. وفي مجتمعاتنا الكثير من الحديث عن الديموقراطية والقليل من الممارسة