تسوية منمّقة وقاهرة ! – نبيل بومنصف – النهار

تثبت الصيغة الوليدة لحكومة الرئيس سعد الحريري، في عمقها الأبعد من تقاسم السلطة بين القوى السياسية، ان التسويات الظرفية هي دستور لبنان الواقعي لا الدستور المكتوب ولا الأصول المبدئية ولا أي معايير ثابتة أخرى.
في المعيار الواقعي تمثل هذه الصيغة تطورا ايجابيا في مفهوم القوى السياسية للتسوية من حيث ارسائها على ركائز أمتن وأقرب الى منطق توافقي – تسووي من تسوية الدوحة التي فرضت قسراً، وبفعل امر واقع مسلح قهري ظاهره الثلث المعطل. لا بل يمكن اعتبار الصيغة الحكومية الجديدة تصويباً منمقاً لتسوية الدوحة عبر ازالة الثلث المعطل المثبت و"صهره" في حصة رئيس الجمهورية عبر توازن شيعي – سني في هذه الحصة الى جانب "الكوتا" المسيحية الرئاسية، مما يوفّر للرئاسة موقعا اكبر وافعل عبر تكبير حصتها وجعلها حاضنة للتوازنات السياسية والطوائفية في الداخل وميزان التفاهمات الاقليمية والدولية في الخارج. بذلك تكون التنازلات "المؤلمة"، عبر تجاوز عقدة الثلث المعطل، متوازنة بدورها بين الغالبية والمعارضة لمصلحة اللاعب الرئاسي. ويمكن هنا تسجيل نقطة جوهرية في صدقية الرئيس المكلف وفريق الغالبية باعطاء رئاسة الجمهورية ما تعهدا اعطاءه في الحملات الانتخابية، فيما يرتب هذا المكسب للرئاسة مسؤولية كبرى عليها في الاضطلاع بدور ضابط الايقاع داخل الحكومة عبر التجربة الجديدة.

أما في المعيار الدستوري والمبدئي الصرف، فتأتي التسوية على حساب معظم المفاعيل الديموقراطية الجادة التي انتجتها الانتخابات النيابية. وليس ادل على ذلك من حصة الغالبية في الحكومة شكلا وايحاء ومن الاندفاع الدعائي الاستباقي لطرفين في المعارضة هما "أمل" و"حزب الله" في اظهار هذه الصيغة كأنها مكسب لهما ومن ثم عبرهما للمعارضة.
لا يمكن التمويه على هذه الحقيقة مهما تشاطرت اي قوة سياسية في بلاغة تدوير الزوايا. فالمنطق الدستوري السوي لا يتيح سوى لرئيس الحكومة المكلف "الاعلان" الاولي عن اي تطور في هذا الاستحقاق. وما جرى كان منافياً لهذه الاصول، وبدا فريق "أمل" و"حزب الله" كأم العروس في ليلة الزفة مستندين الى شطارة دعائية مشهودة تجاوزت الى حد بعيد الالتزام الصارم للرئيس المكلف بالكتمان والتحفظ. كان الامر للايحاء بتعويض عن ثلث معطل سافر بآخر مضمر، في حين ان ثمة ما يشي بما يتجاوز البُعد المحلي في تخلي المعارضة عن الثلث المعطل بمفهومه الجامد القسري. هذا الامر لا يمكن المعارضة ان تنكره عندما يسفر عن وجه الحكومة، لكن الغالبية ايضا لا يمكنها الاعتداد بأنها جاءت بحكومة موازية لفوزها بفارق 14 مقعداً في الانتخابات، ولو انها حصلت ايضا على وزير مضمر ضمن الحصة الرئاسية.




كل ذلك  يتعاقب في حلقات سريعة ولم يصل الامر بعد الى جوهر الامر، وهو سياسات الحكومة. معنى ذلك بأفصح تعبير ان تقاسم السلطة هو "الدستور" الذي يحكم وليس الدستور المكتوب، وان ميزان القوى الخفي والظاهر، مدنياً كان ام مسلحاً، هو السلطة الواقعية والحقيقية.
تظهر القوى اللبنانية بعد شهر من التكليف طول مراس مشهود لها في الاقبال على التسويات وقدرة عالية على التكيف مع موجباتها. وليس ادل على ذلك من مقارنة بينها وبين القوى الفلسطينية التي عجزت كل الوسائل السلمية والديبلوماسية عن اجتراح مجرد هدنة في ما بينها في الضفة الغربية وغزة بينما تعمل المقصلة الاسرائيلية إمعاناً في ضربها وحصارها وتصفية شعبها. ولم ترقَ هذه القوى مرة الى مستوى مأساتها وإن بتسوية "انسانية".

ومع ذلك، فان القوى السياسية اللبنانية لا تأخذ لبنان الى حلول جذرية واغلب الظن انها عاجزة ومفلسة اصلا من هذا المراس. هي قوى منتجة من ثقافة تسووية اساسا، وتصنع مصير البلاد على صورتها، اذا صح انها "المصنِّع" الحقيقي الوحيد. وعبثاً انتظار حلول مبدئية وثابتة ومتراكمة مع الطغيان المتمادي لهذا النمط في تهميش الديموقراطية والاستهانة بها وقمعها تحت تسميات مموهة.