أفكار التركي الزائر وأقدار اللبناني الحائر – رفيق خوري – الأنوار

وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو ليس غريباً عن لبنان. ولا هو وزير عادي صنعه مرسوم مثل غالبية الوزراء في لبنان ودول المنطقة. إنه المفكر الاستراتيجي الذي تجاوز رسم التصورات النظرية في كتابه (العمق الاستراتيجي) الى امتحان التطبيق العملي لها في بيئة إقليمية تحكمت بها الثوابت بمقدار ما احتاجت الى القراءة في المتغيرات ومواكبة التطورات. وهو كمستشار لرئيس الوزراء طيب رجب أردوغان قبل أن يتولى حقيبة الخارجية رسمياً عمل على (هندسة) السياسة الخارجية ليصير البناء مفتوحاً على الجهات الأربع.

إذ أعاد الاعتبار الى (تعدد الأبعاد) في الجيوبولتيك التركي بما ينقل تركيا من دور (البلد – الجسر) الى دور (البلد – المركز) لتكون (قوة مركزية يؤخذ رأيها) في قضايا المنطقة والعالم. والخطوة الأولى في التطبيق كانت العودة الى الشرق من دون التخلي عن التطلع الى الغرب عبر ما سماه سياسة (تصغير) الخلافات، أي التدرج في التسويات للوصول بالخلافات مع الجيران الى مرتبة الصفر.
من المهم أن يصف أوغلو لبنان الذي يزوره بأنه (يتمتع بخصائص مميزة في المنطقة). لكن الأهم هو ان تتمسك القيادات اللبنانية بهذه الخصائص وتطورها بدل ان يعمل البعض على الاستهتار بها أو الانقلاب عليها و(زرع) خصائص منافية لتراب لبنان ودوره. فالوطن الصغير الذي بدأ طموحه من لعب دور (الجسر) انتهى واقعه بأن يلعب دور (الساحة). ساحة الصراعات والخلافات العربية والاقليمية والدولية. فلا هو لاعب في الصراعات، إلاّ في حدود تلقي الضربات ودفع الأثمان. ولا (تصغير الخلافات) في الداخل ومع الخارج متاح له. ولا هو يستطيع حتى تأليف حكومة من دون حدّ أدنى من تسوية الخلافات بين القوى الخارجية.
ذلك ان أوغلو الذي يرى (ان الإخلال بالاستقرار في لبنان ينعكس على الاستقرار في المنطقة.. يعرف ان ضمان الاستقرار في (ساحة) يتطلب إرضاء كل القوى المتصارعة فوقها وبالتالي إبقاء الحواجز أمام حلم التغيير وبناء مشروع الدولة. و(البلد المهم بالنسبة الى تركيا) المستعدة لمساعدته يحتاج الى الدور التركي المهم، ومعه الدور العربي الضائع وسط أدوار لدول عربية.




والأهم هو ان يكون هناك دور لبناني، لأن غيابه أو انقسامه الى أدوار لقوى طائفية ومذهبية لكل منها علاقات مع قوى اقليمية أو دولية يحكم على الوطن الصغير بالبقاء في دور (الساحة). فهل نصغي الى كلام أوغلو الواقعي والعميق? وهل نتعلم من تركيا، برغم الاختلاف في الأحجام والتباين في الأدوار، كيف نصنع الاستقرار في لبنان لكي نعالج قضايا الناس وننطلق نحو بناء مشروع الدولة في مرحلة ما بعد الاستقرار?