قصة ولادة الوزير الضامن.. والمضمون – عماد مرمل – السفير

لعل الحكومة الجديدة التي دخلت في طور الولادة تستحق الجهد الذي يُبذل من أجلها، لأنها ستكون على الأرجح حكومة السنوات الأربع المقبلة، حتى موعد الانتخابات النيابية المقبلة. ولأن الجميع يدركون ضمنا أن عمر الحكومة سيكون طويلا، مع التسليم بأن الأعمار هي في يد الله، فإن كلاً منهم سعى وما زال الى تحسين شروط مشاركته فيها قدر الإمكان، تحسبا لـ«غدرات» الزمان.
من هنا، يمكن فهم حرص الطوائف الوازنة على «التمثيل المغلق» في الحكومة العتيدة وتوقفها عن تقديم «التبرعات» السياسية للحلفاء والأصدقاء، ما يعكس تحسسها بدقة المرحلة المقبلة وأهمية محاكاتها بحضور سياسي قوي ومباشر في السلطة التنفيذية التي ستواكب استحقاقات مفصلية على المستوى الداخلي وتحديات كبرى على المستوى الإقليمي.

وبهذا المعنى، يلاحظ على سبيل المثال أن حركة أمل وحزب الله يريدان هذه المرة المقاعد الشيعية الستة (مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية الوزير عدنان السيد حسين المدعوم منهما والمحسوب ضمن حصة رئيس الجمهورية) وكذلك الحال بالنسبة الى العماد ميشال عون الذي يتمسك بتوزيع مقاعد حصته على تكتل التغيير والإصلاح حصراً. كما أن رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط سيحتكر التمثيل الدرزي إذا لم توافق المعارضة، كما هو مرجح، على توزير طلال أرسلان بعد احتسابه من حصتها.
وما يزيد من حساسية الدور الحيوي للحكومة المقبلة هو أن زعيم الأكثرية النيابية سعد الحريري يتولى رئاستها بالأصالة بعد سنوات أربع أمضاها مقيما في ظل السرايا الحكومية التي شغلها مرتين متتاليتين الرئيس فؤاد السنيورة، الأمر الذي يعني أن رئيس تيار المستقبل سيكون على تماس مباشر مع فريق المعارضة، ما يُفترض أن يعطي الحوار بينهما قوة دفع من شأنها تسهيل اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب، من دون المرور عبر «تحويلة» السنيورة كما كان يحصل في السابق.
والى ذلك كله، تحظى هذه الحكومة برعاية إقليمية دافئة، تجلت في المواكبة السورية ـ السعودية لمختلف مراحل الولادة، بدءا من الحمل وحتى مشارف الوضع، وعُلم في هذا الاطار أن دمشق والرياض ساهمتا بفعالية في تثبيت معادلة 15ـ10ـ5 وتسويقها لدى حلفائهما.
وتفيد المعلومات بأن العاصمتين اتفقتا قبل قرابة ثلاثة أسابيع على اعتبار هذه المعادلة هي المخرج الوحيد من مأزق التأليف الحكومي، باعتبار أنها تعفي الأكثرية من ارتشاف الكأس المر للثلث المعطل، وتمنح المعارضة الضمانة الفعلية لمشاركة حقيقية، وتعزز دور رئيس الجمهورية، وبذلك يكون قد أعيد إنتاج اتفاق الدوحة معدلا بعد وضع مسحة من «الماكياج» عليه، لتكييفه مع نتائج الانتخابات النيابية.
ولكن دمشق والرياض تركتا للأطراف اللبنانية مهمة التوافق على اسم «الوزير الضامن» الذي يُطمئن المعارضة ويوافق عليه رئيس الجمهورية ولا ترفضه الأكثرية. وهنا، انطلقت موجة من العروض والعروض المضادة التي استهلكت العديد من الاقتراحات والمناورات قبل أن يُتّفق على اسم الأستاذ في الجامعة اللبنانية الدكتور عدنان السيد حسين.




ويروى في هذا المجال أن الرئيس المكلف سعد الحريري طرح في بداية الأمر أسماء شيعية مقربة من «تيار المستقبل»، فسقطت تباعا، ثم تدخل السعوديون لديه لحثه على التعاون مع رئيس الجمهورية وحزب الله وحركة أمل من أجل اختيار شخصية تلقى قبول الثنائي الشيعي.
وفي أحد الاجتماعات بين سليمان والحريري، طرح الأول اسم الدكتور عدنان السيد حسين، فسأله الحريري: هل تعتقد أن حزب الله وحركة أمل يوافقان عليه؟ أجابه سليمان: نعم، وأنا أثق فيه كثيراً.. وهكذا كان.
وقد شكل الدكتور حسين في واقع الأمر نقطة تقاطع جوهرية بين رئيس الجمهورية ميشال سليمان وحزب الله، الى حد أن كلا الجانبين يستطيع أن يعتبره، عن قناعة، جزءاً من فريقه. بالنسبة الى سليمان، فإن معرفته به تعود الى أيام توليه قيادة الجيش، وحينها كان الدكتور حسين يواظب على إلقاء محاضرات عن القانون الدولي في كلية الأركان العسكرية، فنال إعجاب سليمان الذي استعان به لاحقا، عندما أصبح رئيسا للجمهورية، كي يكون أحد أعضاء اللجنة الفرعية التي شكلت على هامش طاولة الحوار حول الاستراتيجية الدفاعية، مع علمه بأنه مقرب من حزب الله، بل لعله اختاره لهذا السبب تحديدا بغية طمأنة الحزب. ثم توطدت العلاقة تدريجيا بين الرجلين، وحظي الأستاذ الجامعي بثقة رئاسية كانت كافية لـ«ترقيته» الى مرتبة الوزير الضامن للتوازنات الدقيقة داخل الحكومة.

أما حزب الله، فإنه يرتاح كثيرا الى الدكتور حسين الذي رفد الحزب بدراسات قانونية حول العديد من الملفات الهامة في محطات فاصلة، وكانت له في هذا السياق مساهمة فاعلة في مقاربة القرار 1701 والإضاءة على مختلف جوانبه، وهناك من يصنف الدكتور حسين في خانة النخبوية الشيعية المتعاطفة مع خط المقاومة وجسمها السياسي، واضعا خبرته القانونية في خدمة هذا الخيار، من دون أن يتخلى عن خصوصيته وحيثيته. ويتوقع البعض أن يكون حسين بمثابة وزير دولة لشؤون الاستراتيجية الدفاعية، انطلاقا من موقعه المتناغم مع رئاسة الجمهورية وتحالف حزب الله ـ حركة أمل، وربما ستناط به مهمة ترؤس لجنة الخبراء المنبثقة عن طاولة الحوار.