عن شهر الصمت البنّاء! – نبيل بومنصف – النهار

حان الوقت بعد مرور شهر كامل على تكليف زعيم الغالبية النيابية النائب سعد الحريري تشكيل الحكومة الجديدة للاقلاع عن التبشير بفضائل التهدئة والاستقرار اللذين يسودان "مرحلة التأليف" كأن هذه الظاهرة هي أقصى الممكن وذروة المكاسب الواقعية في العبور نحو سلطة ائتلافية تحمل تسمية الوحدة الوطنية.
ولعل شهرا كاملا من الصمت والكتمان والتبرير والتبشير والنأي بجولات التشاور والتفاوض عن الاضواء الكاشفة بات يشكل أكثر من مدة كافية وإثبات دامغ على ان استهلاك الوقت وتمرير الانتظار الممل تحت لافتات براقة هما طرفا السلاح السري الذي يعتمد لفرض القوالب الجديدة على ولادة حكومية ستكون أقرب الى تجسيد "قواعد اشتباك" أكثر تحديثا بعض الشيء عن حكومة تصريف الاعمال منها الى قواعد مختلفة تماما بفعل استحقاق انتخابي استولد هذه الحكومة.

ضجّ الخطاب الرسمي والسياسي في الاسبوع الماضي، وهو الاسبوع الاخير من شهر التكليف، برفض تعديل قواعد الاشتباك التي ترعى مهمة "اليونيفيل" في جنوب لبنان. وعلى أحقية هذا الموقف المبدئي بالنسبة الى موقف لبنان من تنفيذ القرار 1701، فانه لا يسقط الوجهة الاخرى للسلبيات التي أصابت الموقف اللبناني العام من زاوية مشهد سياسي مأزوم تحت وطأة استحقاق حكومي متعثر تسري تحت جناحيه وتيرة تطورات مباغتة تستدعي اليقظة التامة والاستنفار الكبير لما يمكن أن تحمله هذه التطورات من دلالات ومؤشرات الى وضع اقليمي متحرك بسرعة.




لا يمكن لبنان أن يخرج متماسكا بمجموعة الالتباسات التي نشأت في علاقته مع "اليونيفيل" والتي تردد صداها بقوة في الامم المتحدة، ولو كان في حوزته نقاط التبرير حيال ما حصل. لكن الخطير في ما جرى أن هذه التطورات كشفت الخاصرة الرخوة للقرار الرسمي والسياسي لأن ليس في لبنان الآن مجلس وزراء يمكنه ان يجتمع ويتداول ويدرس ويقرر مسألة خطيرة كهذه، وحكومته هي حكومة تصريف أعمال في أضيق الحدود التي تسمح بها الاصول والنصوص والاعراف. فماذا لو تطورت الامور الى أبعد مما جرى؟ وماذا لو حصل في أي لحظة تطور غير محسوب يستدعي "قرارات دولة" من الطراز الاستثنائي؟

ثم ان مهلة الشهر، اذا أريد لها أن تشكل نموذجا على ما يبشر به دعاة التمهل والتريث وتزيين محاسن الود السياسي الذي أضحى الوجه المحبب الهابط سعيدا على "المشهد الصيفي" للسياسة الداخلية، شهدت ايضا مفارقة ولا أغرب لم يرف لها جفن بعد. قيل ويقال للبنانيين ان سبب المخاض الطويل يعود الى "اللبننة" وانتفاء عامل التأثيرات الخارجية على عملية التأليف. فهل يعني ذلك أن "اللبننة" مرادفة لأمر واقع يملي اطالة عمر حكومة تصريف الأعمال فيما ترتسم حول لبنان هندسات جديدة لتحريك مسارات السلام، ومن بينها المسار اللبناني، دونما قدرة للمهندس الاميركي حصرا على مفاوضة حكومة لبنانية كاملة الاوصاف؟

وفي الشهر نفسه أيضا، شهر التكليف حتى الآن، تنقل الملف اللبناني من مسار سوري – سعودي، الى سوري – سعودي – مصري – ايراني، الى سوري – أميركي، فيما لبنان يسبّح ويحمد بظاهرة السياحة المزدهرة وتدفق المغتربين والسياح العرب والاجانب، وطفرة المهرجانات المعممة على كل البقع والمناطق والهازجة بالديموقراطية التي نجت في 7 حزيران من ليل عميم. فأين يجري "تسييل" هذه النعمة، اذا كان ما يقال ينطبق فعلا على كواليس الكتمان؟ وهل "اللبننة" انتصرت على "التعطيل" أم أن معركة عضّ الاصابع الجارية بمنتهى قوتها تحت ستار دخاني كثيف تحمل كل ما يدحض شهرا من "الصمت البنّاء"؟