استفزاز لا يُحتمل لمصر العروبة – كلوفيس مقصود – النهار

منظر استفزازي يراد لنا اعتياده. منظر بمثابة محاولة لالغاء الذاكرة التاريخية للعرب خصوصا ان ثورة 23 يوليو جعلتنا نشعر بحضورنا المميز وبأن ما بدا مستحيلا تحقق ولو الى حين… اي خطوة جبارة نحو خميرة وحدة عربية – الجمهورية العربية المتحدة.

مناسبة ثورة تموز في مصر يفترض الاحتفال بها بتقويمها واستيعاب معناها وتحريضنا على استعادة مفاعيلها الايجابية ونقدها حتى اذا ما اتيح للأجيال العربية الصاعدة فرص استرجاع المبادرة في مسيرة النهضة والتوحد يكون الرصيد لثورة تموز كون الكرامة القومية هي اكثر من شعور بل واقع ملهم يعزز الالتزام ويستنفر انبل القيم ويسعى الى انجازها سياسات ومشاريع توسع رقعة المساواة بين الاوطان وداخلها، كما يمكننا اختراق الحواجز التي تعطل العدالة الاجتماعية وممارسة استقلالية الارادة. وبالتالي نستطيع معاودة مسارات الحرية والتنمية وتأمين حقوق الانسان ومناعة الاوطان.




اجل ان مشهد اشتباك ايدي نتنياهو وبيريس مع السفير المصري في هيرتسيليا اسرائيل "لقطع قالب الحلوى" لمناسبة ذكرى ثورة تموز كان بمثابة تصميم على استبدال المعنى بنقيضه، حلم الوحدة بكابوس التمدد الاستيطاني وتهويد القدس واحتمال "الترانسفير" للعرب وراء الخط الاخضر، حسم احتكار اسرائيل للسلاح الذري في المنطقة، حسم نهائي يحول دون حق اللاجئين في العودة،  ومن ثم ترجيح "التعاون الاستراتيجي بين مصر واسرائيل" على اي علاقات قومية مع الدول العربية خصوصا في ضوء ما ورد في كلمة نتنياهو "ان في الوسع اقامة سلام دافىء"، وهذا السلام "سيحقق ازدهاراً يتجاوز الخيال"؟!
ثم قال نتنياهو: "أود أن أرسل أفضل تبريكاتي: الى الرئيس مبارك وأعرب له عن تقديري العميق لزعامته والتي تحفظ جوهري الأمن والاستقرار، ليس بين الدولتين فحسب بل في المنطقة بأسرها"، "ثم أضاف: "نحن نقدر جهود الرئيس مبارك في مصارعة المتطرفين من أجل تحقيق الهدوء في الشرق الاوسط"، وأكمل "ان السلام مع مصر هو حجر الزاوية في مساعي تحقيق السلام مع كل جيران اسرائيل… وفي الوسع تحقيق سلام دافئ جداً الى أبعد حد". و"اذا تشابكت أيدي مصر واسرائيل وخبرتهما ومواهبهما يمكن تحقيق تجاوز كل خيال".

وحيال صورة تشابك أيدي مجرمي الحرب مع المضيف وتقطيع "الحلوى" عقب مجازر غزة وتصعيد عمليات الاستيطان والجزم ان القدس هي العاصمة الابدية لاسرائيل اضافة الى الخروق لجميع قرارات الشرعية الدولية وللحقوق المنبثقة منها لفلسطين الوطن ولحقوق الانسان في كل فلسطين التاريخية، كيف يمكن الذاكرة من جهة والحالة الراهنة الرضوخ لهذا الاستفزاز ولما تنطوي عليه هذه الصورة من سلب لطاقة الاجيال الصاعدة من طموحات مشروعة، اضافة الى محاولة سلخها عن جذورها وتعطيل امكاناتها صناعة مستقبلها؟

ما يستولد الحزن الشديد ان هذا الاستفزاز الصفيق لا يواجهه ردع أو تفنيد لوعود كاذبة وتزوير لحقائق ثابتة وتستير على ممارسات عدوانية وسلوكيات عنصرية ومحاولات دؤوبة لاخضاع مصالح العرب وحقوقهم لأولويات اسرائيل في المنطقة واستدراج مصر وغيرها الى مصيدة خانقة، من شأنها إلهاء العرب بالتوجس من ايران والاطمئنان الى اسرائيل والاستمرار في استعمال "حقها" في تصنيف العرب "متطرفين او معتدلين" حتى تبقى دولنا وأوطاننا بمعزل بعضها عن بعض، فاقدين بذلك مرجعية موثوقة، "وتبقى اسرائيل بوصلة تخطط وتوجه بموازاة استمرار تجاوزاتها الفاقعة"، وامعانها في وصف كل مقاومة لاحتلالها بأنها "ارهاب وتمرد" على حصر حق الملكية لها.

اجل هذا ما توحيه الصورة التي اشتبكت فيها ايدي بيريس ونتنياهو والملطخة بدماء الآلاف من الشهداء، وهذه الصورة قد تكون باكورة مسيرة الاستسلام لقدر كتب لنا من قبل المشروع الصهيوني. لكن صورة تشابك الايدي وقطع الحلوى لا شك مطلقاً انها تشكل استفزازاً لشعب مصر على الأخص. فمصر هي المسؤولة عن عدم تكرار مثل هذا المنظر باعتبار ان مصر هي الوطن الام، وهي الحاضنة لتعبئة شعوبنا، وهي القادرة على تسريع استعادة الشعب الفلسطيني حقوقه وردع امعان اسرائيل في سحق هذه الحقوق، ومصر هي ساحة التلاقح بين تجارب اقطار الامة في شمال افريقيا وآسيا العربية، ومصر الثورة ساهمت في ارساء استقلالية الارادة وعدم الاكتفاء بمظاهر السيادة. مصر الثورة ارست بذور التمرد على الظلم وجعلت احتمالات الوحدة واعدة، ومصر مصدر غزير لثقافتنا القومية، ولارادتنا الجماعية للتحرير، وهي متداخلة في كيان كل دولة في امتنا العربية، مصر الثورة هي احتمال قادم، مصر الثورة، مصر العائدة الى دورها، الى عروبتها، الى رسالة ثورتها، هي المسؤولة عن محو صورة التشابك لنستعيد جميعاً آفاق الكرامة التي عشنا لحظتها، واستمرت على رغم الاحباطات التي ميزت تجاربها ومعاناتها وشرعية دورها وطموحات شعبها وآماله وكذلك طموحات الامة، مصر الثورة في حيوية عملية استذكار عناصرها تجعلها نقيض الصورة التي اريد منها جعل مصر نقيض ثورة تموزها.

صورة تشابك ايدي بيريس ونتنياهو في هيرتسيليا استفزاز لا يحتمل. لكنه تحريض على استرجاع مصر ثقافة ثورتها كي تحتفل باستيلاد اهم منجزاتها العام القادم. بالكرامة وتجديد الافتخار بالعروبة. واذا تم ما نرجو فيلتحم الجرح الموجع وتستعيد مصر الريادة في انضاج ما رسمته وحققته ثورة يوليو… ولم يتم… والأهم الا تبقى "الصورة في هيرتسيليا" عالقة! وان يبقى الأمل مرادفاً للواقعية العربية.