الضجيج الى خفوت – مروان اسكندر – النهار

صيف لبنان هذه السنة يعج بالمهرجانات، والزوار، والسيارات، ورواد المطاعم، وزبائن الجراحات التجميلية، والودائع المصرفية، والتكهنات السياسية والمشاريع الخيالية، الخ… الخ…
وزوار لبنان خلال الصيف، أكانوا لبنانيين مقيمين، أم عمالاً في الخارج، أم مواطنين خليجيين، يقصدون لبنان هربا من لهيب صيفهم الحارق. والأوروبيون يقصدونه لانهم يشعرون بان البلد يعيش في مهرجان مستمر وخافق. وغالبيتهم ترى ان نمط الحياة في لبنان مدهش، وتنوع الخدمات والنشاطات نادر.
وفي نهاية المطاف، يجد الزوار، اوروبيين أم عرباً، من يحدثهم باللغة التي يعتمدونها، وهذا أمر جاذب آخر.
ولا شك في ان حركة الفنادق والمطاعم، ومبيعات الالبسة، ارتفعت على الاقل بنسبة 30 في المئة.
بعد أقل من شهر يبدأ شهر رمضان المبارك ويعود الزوار العرب الى بلدانهم لتأدية واجبات الصيام، ويسود الهدوء بيروت، ويصير في الامكان التنفس الى حد ما من ضياع الاوقات بسبب اعناق اختناق السير، وكثافة رواد المطاعم المرموقة، والحفلات الموسيقية والمهرجانات المتنوعة والمتعددة.
موسم الصيف هذه السنة كان بالفعل لافتاً بما حوى من نشاطات، ومن اطلاق مشاريع جديدة، وتوفير خدمات مستحدثة. وكان أفضل برهان على حيوية اللبنانيين. ولكن، مع انتهاء هذه الفورة بعد شهر، ومع الامل في أن تكون لدينا حكومة فاعلة وناشطة، تطرح الاسئلة الجوهرية عن مستقبل البلد.
لقد رددنا وشددنا مرات عدة على ضرورة معالجة موضوع الكهرباء، وتأمين المشتقات النفطية، ومعالجة اختناقات السير. وطالبنا بالبدء بتنفيذ مشروع نهضوي متكامل لتنقية مصادر المياه وتحسين استعمالاتها، والتصدي لتدهور البيئة.

كل هذه التحديات ماثلة امامنا منذ وقت طويل، والامر المحيّر هو لماذا لم ننجح في معالجة مشكلة أو أكثر من المشاكل العالقة التي تؤثر على حياتنا الاجتماعية والاقتصادية.
عند تأليف حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الاولى، كتبنا ان قضية الكهرباء تستوجب المعالجة الفورية، وان أي حكومة لا تستطيع القيام بذلك لا تستحق البقاء ولا تحمل المسؤولية. وقد تكون ظروف حرب 2006 مع اضرارها التي أصابت منشآت الكهرباء وتمديداتها قد أخّرت الانجاز، لكن الواقع هو ان قرارات التطوير التجهيزي في لبنان باتت مسيسة الى حد بعيد.
يقول الوزير غازي العريضي الذي يستحق الاحترام لرجاحة عقله ووسع رؤيته، إن في إمكان لجنة وزارية وخبراء أكفياء رسم خريطة تصحيح موضوع الكهرباء في غضون 15 يوما.
حضرة الوزير، هناك خطة موضوعة لانجاز خطوات اصلاحية منذ عام 1996، وهي كانت تقضي بمد شبكة توزيع الكهرباء بواسطة خطوط التوتر العالي. وفي 1998، طلبت حكومة الرئيس رفيق الحريري الاخيرة في التسعينات من مجلس النواب اقرار 80 مليون دولار موازنة لانجاز هذا العمل. لكن ذلك لم يتم نتيجة امتناع النواب عن التصويت لان لبعضهم مصالح انتخابية من خلال منع ربط الشبكة فوق أراضٍ تخص ناخبيهم، ومن هؤلاء السياسيين من هم في المتن ومن هم في الشوف ومن هم في البقاع.
قضية الكهرباء فيها مسارب من تأمين قطع الغيار لمعامل متقادمة، كذلك فيها اهدار من استعمال المازوت للإنتاج في مصانع حديثة نسبيا انجزت لاستعمال الغاز الطبيعي. وفيها ايضاً مسارب في قراءة العدادات واتمام الفواتير، بالإضافة الى تسهيل مد الكهرباء الى بعض موظفي المصلحة الذين يوزعونها على بعض القريبين من مواقعهم في مقابل رسوم رمزية ويستهلكون كميات ملحوظة من الانتاج.




حضرة الوزير العريضي، صيف 2005 كلف رئيس الوزراء فؤاد السنيورة لجنة من ثمانية افراد منهم اساتذة جامعيون ومهندسون وخبراء اقتصاديون ( كنت أحدهم) ومسؤولون كبار من الادارة الحكومية، مراجعة طلبات اصحاب اختصاص يرغبون في عضوية الهيئة التي كان يفترض قيامها للتمهيد لبرنامج اصلاح الكهرباء وربما الافساح في المجال لتخصيص نشاطات الانتاج والتحصيل مع ابقاء شبكة التوزيع ملكا للدولة.
كان توجيه الرئيس السنيورة وجوب النظر في الطلبات من دون التزام توزيع طائفي أو حزبي. وكانت المعايير هي الكفاية المهنية والعلمية. والعمل الذي تم صيف 2005 شمل مراجعة نحو 80 طلبا لم تدرج فيها اي اسماء، اختير منها 20 طلباً استناداً الى كفايات اصحابها.
وبعد كشف أسماء أصحاب الطلبات العشرين المختارة، اجرينا مقابلات مع الاشخاص المعنيين وتوصلنا، بعد اتباع نظام صارم للتقويم، الى التوصية بثمانية اسماء لم أكن أنا شخصياً أعرف إلا اثنين منهم.

طال الانتظار لتأليف الهيئة وتسمية أعضاء مجلس ادارتها، وكل يوم انقضى مذذاك، بل منذ عام 1996، رسّخ الازمة ووسع نطاقها. ولكي ندرك الآثار المخيفة لازمة الكهرباء، علينا ان نقوم بمسح للتجهيزات الجانبية التي فُرضت على المواطنين في حياتهم اليومية وفي مهماتهم سواء في المكاتب، أو المدارس، أو المختبرات، أو المستشفيات، أو المصانع.
ضريبة اهمال شأن الكهرباء تحمل عجزاً يزيد على 30 في المئة من مستوى خدمة الدين العام سنوياً. وضريبة العجز هي زيادة تلوث البيئة التي تسببها آلاف المولدات الخاصة الاقل كفاية من المصانع الحديثة، وضريبة العجز هي فرض تكاليف تجهيزية على المواطنين من مختلف الفئات لا تقل عن 500 مليون دولار لمئة الف مولّد خاص على الاراضي اللبنانية. وكان في الامكان تخصيص هذه الاموال لانجاز محطة بطاقة 400 أو 500 ميغاوات بمواصفات نظيفة وأقل تلويثا للبيئة وأقل كلفة.
وإطالة البحث في موضوع الكهرباء وفي التقصير في الانجاز ومنع التطوير كانت ضرورية للتشديد على أمر حيوي يتصل بهيكلية الحكم في لبنان.
وكان من المفترض ان يقدم مجلس الوزراء، وهو السلطة التنفيذية، مشاريع قوانين تتعلق بشؤون الكهرباء والمياه والطرق  والاصلاح الاداري، الخ… اما قرارات تخصيص الموارد وتبني خطط التطوير فتعود الى مجلس النواب الذي يحاسب الحكومة وهو المسؤول عن التشريع.

واذا ما دمجنا الدورين – دور التشريع ودور التنفيذ – كما يحصل في حال تبني تأليف وزارة بثلث معطل، تكون النتيجة تعطيل أي تطوير.
وعندئذ، لن نعجب من عدم الانجاز. وكلنا يعلم مدى التعطيل الذي مورس من هذا المدخل على حكومات الرئيس رفيق الحريري منذ عام 2000 وعلى حكومتي الرئيس فؤاد السنيورة.
وتاليا، اذا اختار النواب، وهم أصحاب السلطة التشريعية، عرقلة تشكيل السلطة التنفيذية وصلاحياتها، فعلى الآمال السلام، وضجيج الصيف وسحره سيخفت وينقضي كالسراب.